الورد العطري بقلعة مكونة… بين إرث اقتصادي عريق وأسئلة الاستعداد للدورة 61

يعد الورد العطري أحد أبرز المنتوجات المجالية التي ارتبطت تاريخياً بواحات دادس ومكون بإقليم تنغير، حيث تحول عبر عقود إلى علامة مميزة للمنطقة وإلى مصدر دخل لآلاف الأسر الفلاحية. ولم يعد هذا المنتوج مجرد نشاط فلاحي تقليدي، بل أصبح قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته يساهم في تثمين الموارد المحلية عبر تحويل الورد إلى منتجات متعددة مثل ماء الورد والزيوت العطرية ومستحضرات التجميل. كما اكتسب هذا القطاع بعداً ثقافياً وسياحياً، إذ أصبحت قلعة مكونة تُعرف وطنياً ودولياً بكونها عاصمة الورد العطري بالمغرب.

وقد تعززت مكانة هذه السلسلة الفلاحية خلال السنوات الأخيرة بفضل برامج تنموية واستثمارات عمومية تروم تحسين الإنتاج والتثمين وتنظيم المنتجين. وفي هذا الإطار، شهدت المنطقة سلسلة من المشاريع المرتبطة بتطوير تقنيات الزراعة وتوسيع شبكات الري وتجهيز وحدات تثمين الورد، إضافة إلى تأطير الفلاحين والتعاونيات، في مسعى لرفع القيمة المضافة لهذا المنتوج وتحسين دخل الساكنة المحلية.

المعرض الدولي للورد… تظاهرة تعكس هوية المنطقة

ويرتبط هذا المنتوج المجالي بحدث سنوي بارز هو المعرض الدولي للورد العطري بقلعة مكونة، الذي يعد من أقدم التظاهرات الفلاحية والثقافية بالمغرب. وقد شكلت الدورة الستون من المعرض، التي نُظمت ما بين 5 و8 ماي 2025، محطة احتفالية مهمة أبرزت مكانة الورد العطري باعتباره ثروة تراثية ورافعة للتنمية الاقتصادية بالمنطقة.

وتندرج هذه التظاهرة، التي تنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، ضمن الجهود الرامية إلى تثمين سلسلة الورد العطري وإبراز إمكاناتها الاقتصادية والسياحية، كما تشكل فضاءً للتلاقي بين الفاعلين المهنيين والمؤسساتيين والباحثين والمنتجين. ويضم المعرض عادة أروقة مخصصة للمنتجات المجالية والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات العمومية، إضافة إلى برنامج علمي يتضمن ندوات وورشات عمل حول الابتكار وتدبير الموارد المائية وآفاق تطوير هذه السلسلة الفلاحية.

استثمارات وبرامج لدعم سلسلة الورد العطري

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن سلسلة الورد العطري شهدت خلال السنوات الأخيرة دينامية استثمارية ملحوظة في إطار استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، التي تروم تطوير سلاسل الإنتاج الفلاحي وتعزيز قدرتها التنافسية. وقد خصص لتنفيذ مخطط العمل المرتبط بهذه الاستراتيجية بإقليم تنغير غلاف مالي يفوق 1.35 مليار درهم.

كما شملت الإنجازات المنجزة في هذا الإطار توسيع شبكة الري على مسافة 35 كيلومتراً وتطوير تقنيات الزراعة وتجهيز وحدات تثمين الورد وتنظيم وتأطير المنتجين، إضافة إلى بناء فضاءات مخصصة لتثمين هذا المنتوج المجالي. وقد ساهمت هذه المشاريع في توسيع المساحة المزروعة بالورد العطري لتصل إلى حوالي 1020 هكتار، مع تحسين المردودية بنسبة 25 في المائة وارتفاع دخل المنتجين بنسبة 153 في المائة. كما تشير التقديرات إلى أن إنتاج الورد خلال الموسم الأخير تجاوز 4100 طن بفضل الظروف المناخية الملائمة.


الدورة 61 على الأبواب… واستعدادات يواكبها نقاش محلي

ومع اقتراب موعد الدورة 61 من المعرض الدولي للورد العطري المرتقب تنظيمها في ماي 2026 بقلعة مكونة، عاد النقاش المحلي والإعلامي حول هذه التظاهرة إلى الواجهة، في ظل استعدادات متواصلة لتنظيم دورة جديدة ينتظر أن تستقطب عدداً كبيراً من الزوار والمهنيين.

غير أن هذا الاستعداد ترافق أيضاً مع جدل متجدد حول بعض الجوانب التنظيمية والتنموية المرتبطة بالمهرجان، حيث يرى عدد من المتتبعين أن هذه التظاهرة، رغم رمزيتها وأهميتها السياحية، تحتاج إلى تطوير أكبر حتى تعكس الإمكانات الحقيقية لسلسلة الورد العطري وتساهم بشكل أوضح في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للساكنة المحلية.

انتقادات متكررة… والحاجة إلى تطوير النموذج

وتتركز أبرز الملاحظات التي يثيرها بعض الفاعلين المحليين والمتابعين للشأن التنموي في ضرورة تعزيز الأثر الاقتصادي المباشر للمهرجان على الفلاحين والتعاونيات المحلية، وتطوير البعد المهني للتظاهرة حتى تتحول إلى منصة حقيقية لتسويق منتجات الورد وجذب الاستثمارات المرتبطة بالصناعات العطرية والتجميلية.

كما يطرح النقاش المحلي مسألة تحسين التنظيم وتطوير البرمجة الثقافية والاقتصادية بما ينسجم مع المكانة الرمزية التي يحظى بها المهرجان على الصعيد الوطني، إضافة إلى تعزيز الحكامة والتنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين.

الحفاظ على إرث الورد العطري مسؤولية مشتركة

ويرى عدد من المتتبعين أن الرهان اليوم لا يقتصر على تنظيم مهرجان سنوي يحتفي بموسم جني الورد، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل هذه التظاهرة إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية، بما يضمن استدامة هذا القطاع الفلاحي وتحسين ظروف عيش الساكنة.

فقلعة مكونة لا تحتضن مجرد حدث احتفالي عابر، بل تمثل فضاءً يحمل إرثاً تاريخياً وثقافياً ارتبط عبر عقود بزراعة الورد العطري وجماله. ومن هذا المنطلق، يظل تطوير المعرض الدولي للورد العطري وتجاوز الاختلالات المطروحة شرطاً أساسياً للحفاظ على هذا الإرث المشرق، وتعزيز مكانة الورد العطري كرمز اقتصادي وثقافي يعكس خصوصية المنطقة وثراءها الطبيعي.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.