خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: بين وعود التحول وثقل الاختلالات

بعد خمس سنوات من تقديم النموذج التنموي الجديد باعتباره خارطة طريق استراتيجية للمغرب في أفق 2035، تبدو الحصيلة أقرب إلى صورة مزدوجة: تقدم واضح في بعض الأوراش الاجتماعية والاستثمارية، مقابل استمرار أعطاب بنيوية تحدّ من الأثر الفعلي لهذه الإصلاحات على حياة المواطنين. فالتقرير التقييمي الصادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، حول الفترة 2021-2026، يضع سؤالاً مركزياً أمام صناع القرار: هل نجح المغرب في تحويل الرؤية التنموية إلى نتائج ملموسة، أم أن فجوة التنفيذ ما تزال أقوى من طموح الوثيقة المرجعية؟

رؤية طموحة اصطدمت بواقع التنفيذ

انطلق النموذج التنموي الجديد من تشخيص واضح: المغرب أنجز خلال العقود الماضية استثمارات كبرى وحقق تقدماً في البنيات التحتية. لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في تحويل هذه الدينامية إلى نمو قوي. وفرص شغل كافية. وخدمات عمومية ذات جودة. وعدالة اجتماعية ومجالية. ولذلك وضع النموذج الإنسان في قلب المشروع التنموي. وربط نجاحه بتحرير الطاقات. وتقوية الرأسمال البشري. وبناء اقتصاد منتج وتنافسي. وتوسيع الدولة الاجتماعية. واستعادة الثقة في المؤسسات.

الحماية الاجتماعية.. أرقام كبيرة وأسئلة حول الأثر

أبرز ما تحقق خلال السنوات الأولى يرتبط بورش الحماية الاجتماعية. فقد توسعت التغطية الصحية الإجبارية لتشمل أكثر من 32 مليون شخص سنة 2025. أي ما يقارب 88 في المائة من السكان. مقابل حوالي 42 في المائة قبل انطلاق التعميم. كما يغطي نظام “أمو تضامن” قرابة 11 مليون مستفيد من الفئات الهشة. فيما بلغ عدد المستفيدين من الدعم الاجتماعي المباشر حوالي 12,5 مليون شخص. موزعين على نحو 3,9 إلى 4 ملايين أسرة. بكلفة تناهز 40,5 مليار درهم. هذه الأرقام تؤكد انتقالاً مهماً من منطق البرامج الاجتماعية المتفرقة إلى منطق حماية اجتماعية أوسع.

غير أن التحقيق في الأثر الفعلي يكشف محدودية أخرى. فارتفاع عدد المسجلين لا يعني بالضرورة استفادة فعلية من العلاج. فالتقرير يشير إلى أن عدد المستفيدين الذين استعملوا فعلياً التغطية الصحية لم يتجاوز 25,6 مليون شخص نهاية 2024. أي في حدود 70 في المائة. كما يطرح توجيه جزء كبير من نفقات التأمين الصحي نحو القطاع الخاص سؤالاً حساساً حول المستفيد الحقيقي من هذا الورش: المواطن الهش أم سوق العلاج الخاص؟ وتزداد هذه الأسئلة حدة أمام استمرار ضعف المستشفيات العمومية. ونقص الموارد البشرية. والفوارق بين المدن الكبرى والمناطق القروية.

الاستثمار يتحرك.. والبطالة تقاوم

في المقابل. سجل الاستثمار دينامية لافتة. فقد بلغت الاستثمارات العمومية المبرمجة لسنة 2026 حوالي 380 مليار درهم. كما تمت المصادقة. منذ بداية الولاية الحكومية. على 381 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تصل إلى 581 مليار درهم. مع وعود بإحداث أكثر من 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر. وارتفعت تدفقات الاستثمارات الأجنبية من حوالي 32 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 56 مليار درهم سنة 2025.

لكن المؤشر الحاسم لا يكمن في حجم الاستثمارات وحده. بل في قدرتها على خلق شغل منتج وقار. هنا تظهر المفارقة: البطالة بقيت في حدود 13 في المائة سنة 2025. مع أكثر من 1,6 مليون عاطل. فيما يتجاوز معدل البطالة بين الشباب ثلث الفئة العمرية بين 15 و24 سنة. وهذا يعني أن الاقتصاد لم ينجح بعد في تحويل دينامية الاستثمار إلى فرص كافية للإدماج المهني والاجتماعي.

المدرسة والصحة.. جوهر الرأسمال البشري

تبرز أزمة الرأسمال البشري كأحد أعمق مواطن التعثر. فرغم توسيع التعليم الأولي إلى حوالي 84 في المائة. واستفادة قرابة 950 ألف طفل منه سنة 2025. ورغم توسيع تجربة “مدارس الريادة” من 626 مؤسسة إلى حوالي 2626 مؤسسة. لا تزال نتائج التعلمات ضعيفة. فقد صنف اختبار “PISA 2022” المغرب في مراتب متأخرة: 71 في الرياضيات. و79 في القراءة. و76 في العلوم من أصل 81 بلداً. كما يغادر حوالي 280 ألف تلميذ المدرسة سنوياً. بما يعني أن المدرسة لا تزال عاجزة عن لعب دور المصعد الاجتماعي الذي وعد به النموذج.

وفي الصحة. لم تواكب الزيادة في عدد المستفيدين من التغطية الصحية تحسناً مماثلاً في جودة العرض العمومي. فرغم تجاوز عدد مهنيي الصحة 59 ألفاً سنة 2025. لا يزال الخصاص قائماً. خصوصاً في المناطق القروية والجهات الأقل جاذبية. مع استمرار هجرة مئات الأطباء سنوياً نحو الخارج. وهكذا. يبقى الرأسمال البشري الحلقة التي يتوقف عليها نجاح النموذج أو تعثره.

مغرب بسرعتين.. استمرار الفوارق المجالية

أما في مجال العدالة المجالية. فالصورة أكثر تعقيداً. ثلاث جهات فقط. هي الدار البيضاء-سطات. والرباط-سلا-القنيطرة. وطنجة-تطوان-الحسيمة. تنتج حوالي 58,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني. بينما تنتج جهة الدار البيضاء-سطات وحدها أكثر من 32 في المائة. وعلى الرغم من تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 11,9 في المائة سنة 2014 إلى 6,8 في المائة سنة 2024. فإن 72 في المائة من الأشخاص المعنيين به يوجدون في العالم القروي. وهذا يعني أن النموذج لم ينجح بعد في كسر منطق “مغرب بسرعتين”. حيث تستفيد بعض المجالات من الاستثمار والفرص. فيما تظل مناطق أخرى على هامش التنمية.

الريع والفساد والاقتصاد غير المهيكل

ويضيف التقرير معطى آخر لا يقل خطورة: الاقتصاد غير المهيكل يمثل حوالي 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام. فيما تقدر كلفة الفساد بنحو 50 مليار درهم سنوياً. هذان الرقمان يكشفان أن جزءاً مهماً من الثروة يفلت من النظام الجبائي والمؤسساتي. وأن جزءاً آخر يهدر بفعل الريع والزبونية وضعف المساءلة. لذلك لا يمكن للنموذج التنموي أن يحقق أهدافه بمجرد رفع الاستثمارات أو إطلاق البرامج. ما لم تتم مواجهة الاحتكار. والفساد. وضعف المنافسة. وتركيز الثروة والفرص.

الخلاصة: لا فشل كامل ولا نجاح مكتمل

الخلاصة أن النموذج التنموي الجديد لم يفشل. لكنه لم يتحول بعد إلى تحول اجتماعي واقتصادي عميق. لقد تحققت أوراش كبرى في الحماية الاجتماعية. والاستثمار. والرقمنة. والماء. والطاقة. غير أن المواطن لا يقيس التنمية بعدد الاستراتيجيات. بل بجودة المدرسة. وسهولة العلاج. وفرصة العمل. وعدالة الأسعار. وإحساسه بأن المؤسسات تنصت له. ومن ثم. فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى وثيقة جديدة بقدر ما تحتاج إلى تنفيذ أكثر صرامة. وربط الدعم العمومي بالنتائج. وإعادة الاعتبار للمدرسة والمستشفى العمومي. وجعل التشغيل والكرامة الاقتصادية معيار الحكم الحقيقي على نجاح النموذج.

 

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.