حين يكتب الآخر مستقبلنا: قراءة عربية ليد “توم وايغنر” الممدودة

بقلم :محمد اكن

في لحظةٍ عربية مرتبكة، مثقلة بالهزائم الرمزية والسياسية، وممزقة بين شعوبٍ تبحث عن بوصلتها ونخبٍ غارقة في معارك الماضي، يطلّ صوتٌ من خارج الجغرافيا العربية، لكنه يقترب من عمق روحها أكثر مما تفعل كثير من أصوات الداخل. صوت توم وايغنر ليس مجرد صوتٍ أكاديمي، ولا مجرد مؤلف لكتاب “الثورة الإبراهيمية”، بل محاولة جريئة لإعادة صياغة السؤال الذي تجاهلناه طويلاً: كيف يمكن أن نصنع مستقبلاً لا يُكتب ضدّنا، ولا يُكتب لنا، بل يُكتب معنا؟
هذا السؤال وحده يُقلق كل المنظومات التي قامت على استمرار الصراع، ويكفي لإثارة غضب الأجندات التي صنعت من الانقسام العربي – العربي ومن العداء العربي – الإسرائيلي حطباً لإشعال الهيمنة، وفي مقدمتها الأجندة الإيرانية التي اخترقت الواقع العربي طوال العقود الماضية تحت شعارات المقاومة، بينما كانت تُنتج في العمق انهيار الدولة، وتمزق المجتمع، وتطييف الوعي، وتعميم ثقافة الموت.
لقد تحوّلت المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، فيما تراجعت مشاريعنا نحن. كلما اشتعلت ساحة عربية، تمدّ إيران أذرعها، وتُعيد تشكيل الولاءات، وتحوّل المواطن إلى تابعٍ سياسي أو أمني أو طائفي. من لبنان إلى العراق، ومن اليمن إلى سوريا، نجحت هذه الأجندة في تحويل قضايا العرب الكبرى إلى رهائن في يد ميليشيات، تغذي الكراهية وتُقصي أي تفكير في المستقبل.
وسط هذا المشهد العنيف، تبدو دعوة توم وايغنر إلى مفهوم جديد للسلام ليست مجرد طرح فكري، بل صفعة معرفية تُعيد تعريف معنى الشراكة. فهو لا يتحدث عن “سلام مصالح فوقية”، بل عن ثورة في الوعي ذاته، ثورة تُعيد العرب إلى مركز المشهد لا إلى أطرافه. الثورة الإبراهيمية، كما يقدمها، ليست مشروعاً سياسياً بقدر ما هي مقاربة حضارية ترى في المنطقة فضاءً مشتركاً، وفي الإرث الإبراهيمي لغة قادرة على إعادة تشكيل الحوار، وفي الإنسان قيمة تستحق أن تكون فوق كل الجراح.
إن قوة هذا الطرح ليست في كونه يأتي من “الآخر”، بل في أنه يعيد لهذا الآخر دوره الطبيعي: شريكًا في صياغة مستقبل مشترك، لا خصمًا دائمًا محكوماً بعداء تاريخي. هذا الطرح يُحاصر الخطابات العربية التي لم تنجح إلا في إعادة إنتاج الخوف، ويضعها أمام حقيقتها: أننا نمتلك مقومات النهوض، لكننا نخاف من مدّ الجسور. نخاف من التفكير خارج النمط. نخاف من صياغة علاقة جديدة مع الحاضر.
الواقع العربي اليوم يقف بين خيارين: إما الاستمرار في الارتهان لمشاريع العنف والعداء التي تجعلنا وقوداً لصراعات لا نملك فيها القرار، وإما الانخراط في رؤية جديدة تعيد للعرب دورهم الفاعل. رؤية تتجاوز ضجيج الإيديولوجيات الميتة، وتحرر الوعي من ثقافة “العدو الأبدي”، وتفتح الباب أمام قيم التعايش والتنمية والتقدم.
ومن يقرأ كتاب توم وايغنر لا يقرأ نصاً سياسياً عادياً، بل يقرأ محاولة جريئة لفهم العرب من زاوية تحترم ذكاء شعوبهم، وتمنحهم الموقع الذي يستحقونه في مستقبل المنطقة. فهو يمدّ يده إلى العرب لا باعتبارهم “جيراناً محاصرين بالأسلاك”، بل باعتبارهم شركاء طبيعيين في تاريخ مشترك يمكن إعادة بنائه بعيداً عن الضغائن التاريخية التي استثمرت فيها قوى خارجية لعقود.
إن استعادة القدرة العربية على صناعة المصير لا يمكن أن تتم إلا عبر تحرير الوعي من شبكات التحريض والعداء، وتبنّي قيم الانفتاح والتعاون، والانخراط في منطق الإنسانية الواسعة الذي تتكئ عليه الثورة الإبراهيمية. وهذه ليست دعوة للتنازل أو التخلي عن الثوابت، بل دعوة لامتلاك المستقبل بدلاً من الهروب منه.
دعوة للعرب كي يتجاوزوا أسر «الحاضر المدجّن» المصنوع في غرف المخابرات الخارجية، ويتجهوا نحو صياغة واقع جديد تكون فيه الكلمة للإنسان، وللعلم، وللمعرفة، وللمستقبل.
إن يد توم وايغنر الممدودة للعرب ليست بديلاً عن أي مشروع عربي، وليست وصاية على الوعي العربي، وليست أدوات ضغط سياسي، بل هي نافذة فكرية تقول لنا شيئاً بسيطاً وعميقاً: “أنتم لستم مضطرين للعيش داخل أسوار الخوف”.
والمفارقة أن هذه الدعوة تأتي من خارج العالم العربي، بينما ما زالت بعض النخب العربية أسيرة لخطابات الماضي، ترفض أي تجديد حتى لو كان هذا التجديد طريقاً للنجاة.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العرب إلى لحظة شجاعة يعيدون فيها اكتشاف العالم، ويخرجون من دائرة الاستقطاب، ويفتحون الباب لمرحلة جديدة من التعايش الإقليمي القائم على المصالح المشتركة والقيم المشتركة والمسؤولية المشتركة.
نحن بحاجة إلى أن نُعيد للإنسان العربي حقّه في الحلم، وحقه في التفكير خارج الإيديولوجيا، وحقه في بناء الجسور لا هدمها.
إن المستقبل لن يُكتب إلا لأولئك الذين يملكون شجاعة النظر إلى الأمام. وتوم وايغنر، من خلال الثورة الإبراهيمية، يقدّم واحداً من أهم المفاتيح الفكرية لهذه الشجاعة: أن نفهم الآخر قبل أن نحاكمه، وأن نتحرر من روايات الكراهية، وأن نمنح أنفسنا فرصة للسلام مع العالم… ومع أنفسنا أولاً.
وإذا كان “الآخر” يكتب معنا مستقبلنا، فليس لأنه يتفوق علينا، بل لأننا نحن من تركنا الأقلام تسقط من أيدينا طويلاً. واليوم، آن الأوان أن نستعيدها لنكتب الماضي من جديد، بل لنكتب مستقبلًا يستحقه العرب.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.