كشف تقرير بحثي صادر عن جامعة جورج-أوغست الألمانية عن مفارقة لافتة بين الصورة التي تُروَّج دوليًا للمغرب كنموذج في التنمية المستدامة، وبين واقع ميداني يؤكد تفاقم التدهور البيئي واستمرار إزالة الغابات رغم التدفقات المالية الدولية الضخمة. التقرير الذي أعدّه فريق من الباحثين بقيادة الدكتورة بيا كنوستمان، حمل عنوان: “ما وراء قصة النجاح الأخضر في المغرب: تحليل مصالح الفاعلين وإزالة الغابات في ظل استراتيجية 2020-2030 لغابات المغرب”.
ووفقًا لما أورده التقرير، فإن دوافع هذا البحث جاءت من التناقض الملحوظ بين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالمغرب كنموذج أفريقي في المناخ، وبين مؤشرات ميدانية تُظهر تعثّرًا واضحًا في حماية الغابات وغياب تأثير حقيقي على الفئات الاجتماعية المتضررة، خاصة في المناطق الريفية. وأشار الباحثون إلى أن التقرير يسعى لتحليل كيفية توظيف الخطاب البيئي لخدمة مصالح فاعلين محليين ودوليين، دون معالجة فعلية لجذور المشكلات.
ووثّق التقرير حصول المغرب على تمويلات دولية فاقت 700 مليون يورو خلال السنوات الخمس الماضية. جاءت من الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي. البنك الإفريقي للتنمية، الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD). الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وغيرها من الجهات. وقد خُصصت هذه التمويلات لدعم الاستراتيجية الوطنية للغابات 2020-2030، التي أُطلقت رسميًا عام 2020.
وقد خُصصت هذه المبالغ لتمويل عشرة مشاريع تنموية من أبرزها: مشروع “الغابة المستدامة والشاملة”، ومشروع “الأرض الخضراء”، وبرنامج “الاقتصاد الأزرق”. إلى جانب مبادرات تستهدف تعزيز المساواة بين الجنسين وتوفير وظائف خضراء وتحسين إدارة الموارد الغابوية. وقد تعاونت السلطات المغربية مع تسع منظمات دولية لتنفيذ هذه المشاريع على مدار خمس سنوات.
لكن التقرير يفجّر مفاجأة كبيرة حين يشير إلى أن نتائج هذه المشاريع جاءت عكس التوقعات. فحسب بيانات Global Forest Watch، تضاعف فقدان الغطاء الغابوي بعد إطلاق الاستراتيجية. حيث ارتفع من 8.69 آلاف هكتار في الفترة 2015-2019 إلى 22.6 ألف هكتار في الفترة 2020-2024. وهو ما يتعارض بوضوح مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لتراجع الانتهاكات البيئية. كما فشل المغرب حتى الآن في إطلاق نظام وطني لرصد الغابات أو تحديث الجرد الغابوي بشكل شفاف.
ويشير التقرير إلى أن الجهات الدولية المانحة – لا سيما الأوروبية – تستفيد من الشراكة مع المغرب سياسيًا. حيث تروّج لنجاحاته البيئية تماشيًا مع أهدافها في قضايا مثل الهجرة والتحول الطاقي. دون اهتمام حقيقي بقياس الأثر البيئي على الأرض. كما أن الإدارة الغابوية المغربية، من جهتها. توظف هذه الاستراتيجية لتعزيز موقعها التفاوضي واستقطاب التمويل دون الالتزام الصارم بالمحاسبة.
وفي ختام الدراسة، يوصي الباحثون بضرورة تفكيك سردية النجاح الرمزي في السياسات البيئية. والتوجّه نحو حكامة بيئية قائمة على الشفافية، والمحاسبة. والمشاركة الفعلية للسكان المحليين. لا سيما أن الضغوط المناخية مرشحة للتفاقم، في ظل أزمة المياه والتصحر وتكرار الحرائق. كما يدعو التقرير إلى مراجعة آليات عمل المانحين الدوليين وتوجيه التمويلات بناءً على نتائج ملموسة، لا على خطابات العلاقات العامة.
النص الكامل للتقرير