محفوظ آيت صالح
شكلت احتجاجات جيل Z لحظة كاشفة لعمق التحولات النفسية والثقافية التي تمس الأجيال الجديدة في زمن التواصل الفوري والانفعال الجمعي. غير أن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في ما عبّرت عنه من مطالب مشروعة في جوهرها، بقدر ما تكمن في الطريقة التي تفاعل بها النقاش العمومي معها، حيث ساد منطق التسطيح والتبسيط بدل التحليل الرصين، وانبرى كثيرون إلى إطلاق الأحكام المسبقة، متناسين أن التحليل بالحقائق أدق وأصح من التفسير بالظنون والأوهام.
فالمطالب الاجتماعية المشروعة المرتبطة بالصحة والتعليم والكرامة والفرص المتكافئة تم استغلالها من قبل بعض الأطراف لتأجيج الغضب سواء لأسباب انتخابية أو غيرها، وتم تحويل الوعي الاحتجاجي إلى فوضى رقمية وميدانية، غذّتها خوارزميات لا تعرف الحقيقة من البهتان.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الحركة في صور الشغب أو الفوضى؛ لأنها تعبّر عن خلل أعمق في جسر الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الشباب ومؤسسات الوساطة التي تخلّت عن أدوارها أو عجزت عن تطوير لغتها للتواصل مع جيل يعيش بمنطق اللحظة والهاشتاغ.
إن أخطر ما يهدد النقاش العمومي اليوم هو أن يتحول إلى ساحة حيث يسود التعميم دون استثناء، والتبخيس دون استقصاء، والحكم على النوايا دون استفتاء. فالإعلام الرقمي لم يعد مجرد ناقل للحدث، بل صار مصنعاً للانفعال الجماعي الذي تحدث عنه غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” حين قال: “إن الجماهير لا تفكر إلا نادراً تفكيراً عقلانياً، فهي لا تعرف إلا الصور والأوهام، وتميل إلى التصديق الأعمى والانفعال السريع”.
إن جيل Z ليس خصماً للمجتمع، بل هو مرآته المشروخة التي تعكس كل ما أهملناه من قيم التأطير والتربية والتواصل والقدوة. إن التعامل معه لا يكون بالتخويف أو الاستهجان، بل بالإنصات والاعتراف والاشراك الحقيقي في القرار. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، هو أن يُترك شبابه بين مطرقة التهميش وسندان التضليل، فيتحول النقاش من حوار وطني إلى صراع فوضوي.
إن ما نحتاجه اليوم هو استعادة روح العقل الجماعي، والعودة إلى التحليل القائم على المعطيات لا الانفعالات، وعلى الفهم لا الاتهام، وعلى الإصلاح لا الإدانة. فجيل Z، بكل تناقضاته، هو فرصة لمراجعة المسار وليس تهديداً له. والوعي بهذه الحقيقة هو أول خطوة نحو ترميم الثقة المفقودة، وإعادة بناء النقاش العمومي على أسس من الجدية، والعقلانية، والاحترام المتبادل.
إن التفكير بمنطق الأصنام وأكباش الفداء في السياسية جهل مركب لأنه يبرر اللحظة ويلهينا عن الأسئلة الحقيقية التي يتجاوز عمقها ” الحجام الذي تم تعليقه بعد أن طاحت الصومعة”