لم تكن ولادة جيل Z مجرد صدفة ديموغرافية، بل حدثاً تاريخياً جرى في مختبر العولمة الشامل. منذ انفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي بعد أحداث 11شتنبر، وتعزيز النموذج النيوليبرالي (Fukuyama, 1992; Harvey, 2007)، دخل العالم طوراً جديداً من إعادة التشكيل السياسي والاقتصادي والثقافي، تحت مسميات النظام العالمي الجديدـ أو العولمة الشاملة، أو نهاية التاريخ.
وقد تزامن هذا التحول مع انفجار معلوماتي غير مسبوق، بفعل توسع شبكة الإنترنت وانتشار الأجهزة الذكية، ووسائط التواصل الاجتماعي التي قلّصت العالم إلى قرية رقمية تُصاغ فيها الهويات، ويُعاد فيها التحكم بجغرافية الإنسان عبر مواثيق دولية عملت على تحييد الفوارق الثقافية والإثنية والدينية، وعززت قيم الفردانية وفق النموذج النيوليبرالي، الذي أصبح النموذج المعياري. هكذا جرى إدماج الإنسان في هندسة اقتصادية–رقمية تخضعه للضبط والتسخير.
في هذا السياق وُلد جيل الألفية الثالثة، وتفتحت مداركه داخل فضاء الإنترنت والقنوات الفضائية، مستأنساً بأزرار تسمح له بالولوج إلى كل المسارات دون حماية أو قيود. وسرعان ما صار التطور التكنولوجي لعبته الجديدة، وأصبح شراك الإنترنت شريك الأسرة الأول في التربية قبل المدرسة والشارع، بل المربي الأساس ، لأنه جمع بين المتعة والتعلم والتواصل، ولأنه وفر آلية غير مرئية لضبط سلوك الأطفال وحركتهم.
هذه البيئة لم تعمل على تشكيل القيم والسلوكيات فقط، بل مست البنية العصبية ذاتها لأفراد الجيل. فقد بيّنت أبحاث في علم الأعصاب الاجتماعي أن التعرض المكثف للألعاب الرقمية ووسائط الإنترنت يعزز المرونة العصبية في مناطق الدماغ المرتبطة بالمعالجة البصرية والقرارات السريعة، لكنه يُضعف القدرة على التركيز الطويل والتعاطف، وهكذا نشأ دماغ منسجم مع منطق الخوارزميات التي تكافئ الفعل الفوري، وتقصي الوساطات التقليدية، وتدرب على التعامل مع العالم كسلسلة نقرات ومهام متوازية.
ولأن اللعب محاكاة مبكرة لمسؤوليات الكبار (Vygotsky, 1978)، تحولت الألعاب الإلكترونية إلى مختبر بديل تُلغى فيه الفوارق العمرية والطبقية والجندرية، حيث يمكن للطفل أن يتقمص دور القائد العسكري أو زعيم العصابة تماماً كما يتقمص دور لاعب كرة القدم في ألعاب المحاكاة، بل وتقمص دور العالم ورجل الدين ورجل السياسة دون أي مانع أو حرج.
من جانب آخر، يمكن أن نعتبر ذلك تشكيلا لذكاء رقمي، أو منطق رقمي بما أن الخوارزميات التي تضبط هذه الألعاب لا تعرف الرحمة أو العطف، وبذلك جرى إعداد أجيال كاملة على تقبل العنف كلعبة خالية من الخوف أو عقدة الذنب. وهو ما يفسر ميل جيل Z إلى النظر إلى المؤسسات التقليدية ككيانات بطيئة ومتجاوزة لزمنه الرقمي.
وهكذا انتهت العشرية الأولى بجيل فجر ربيعا عربيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان وقودا لتغيير أنظمة عربية حاكمة، دون أن يغير وضع الاجتماعي أو الحقوقي للإنسان العربي، أو تحريرا للأرض المحتلة، ثم انتهت العشرية الثانية مع الجيل الثاني للأنظمة الرقمية، رافقته صفقة ترسيم الاحتلال كرمز للهينة الليبرالية، المعنونة بصفقة القرن، وما صاحبها من حرب كونية بالتقسيط، من أزمة وباء كورونا وانتهاء بالحرب على غزة.
وفي مواكبة هذا التحول، ومع بلوغ هذا الجيل المسمى Z أوج شبابه، ظلت النخب التقليدية تشحن هذا الفضاء، بمما وصفه آلان دونو بـ”نظام التفاهة”، أي إغراق الفضاء العام بمضامين استهلاكية سطحية لتفريغ الخطاب من محتواه.
غير أن ذكاء جيل Z الرقمي سرعان ما فضح هذه الآلية، إذ أدرك أن المنصات التي تقدم الترفيه هي نفسها فضاءات للنقاش الاقتصادي والسياسي، وأن “إنستغرام” الذي يعرض حياة البذخ هو ذاته ساحة للتعبير عن البطالة والحرمان. بذلك رفض الجيل “التفاهة المسوَّقة”، وطالب بخطاب يحترم وعيه.
الأمر لا يقتصر على الفضاء الثقافي؛ فجيل Z في المغرب، مثلاً، عبّر عن وعي جمعي جديد من خلال الحملات الرقمية والاحتجاجات الشبابية. وهو ما يمكن وصفه بـ”اللاوعي الجمعي الرقمي” حيث تنتج التجارب المشتركة في الفضاء الافتراضي روابط غير مرئية لكنها قوية، تجعل الشباب المغاربة يرون أنفسهم جزءاً من حركة أوسع تتجاوز الحدود. هذا الانفتاح ولّد لديهم شعوراً بالندّية أمام الشباب في بقية العالم، وقوّض سرديات “الاستثناء” التي تكررها النخب.
والمواطن الجديد لا يرى نفسه امتداداً بسيطاً للأجيال السابقة، بل مواطناً مغربياً لا يقل مرتبة عن نظيره الصيني أو الأمريكي أو الأوروبي، يتمتع – في تصوره – بنفس الحق في جودة التعليم والصحة والحرية السياسية والثقافية. وقد تعزز هذا الوعي بالندية عبر الإنجازات الرياضية والعلمية، وما تحقق من مكاسب دبلوماسية وتنموية تُوّجت باستحقاق المغرب تنظيم كأس العالم 2030. كما لا يرى الجيل ضرورة للارتباط بحزب أو جماعة أو انتماء قبلي يؤطر تفكيره أو يقيّد حركته، فالفضاء الأوسع، أظهر أن كل البنيات والمؤسسات التقليدية غير مجدية في تأطير الشباب لا فكريا ولا تنظيميا.
وأصبحت فكرة “عن بعد” رديفة لكل الأدوار التي كانت تقوم بها مؤسسات التعليم، والعمل، والرياضة، والأسرة، والحزب، والنقابة، والإدارة، واللعب، …
ومع ذلك، يعيش جيل Z، كما عاشت كل الأجيال تحت وطأة “رهاب المستقبل”، وهو قلق وجودي يضاعفه تفاقم أزمات المناخ والبطالة. إلا أنه لم يختر الاستسلام، بل بحث عن يقين بديل، ووجده في منطق الخوارزميات: قواعد واضحة وجهد يُكافأ مباشرة، في مقابل واقع يحجب فيه الفساد والمحسوبية مبدأ الاستحقاق. لهذا يميل إلى الخطابات المباشرة الواضحة، حتى إن بدت تبسيطية، ويرفض الخطابات المواربة التي تقدمها النخب.
جيل Z إذن ليس جيلاً “ضائعاً” أو “مدجناً”، بل ثمرة تحولات كونية عميقة. لقد نشأ في رحم الإنترنت، المربي الأول الذي علّمه النقد والشفافية والاستقلالية، ورفض أن يُختزل في الاستهلاك السطحي. إنه جيل يطمح إلى عقد اجتماعي جديد، يزاوج بين الهوية الوطنية والانتماء الكوني، ويرتكز على الكفاءة والشفافية بدل الولاءات التقليدية، ويعتبر الكرامة والتعليم والصحة حقوقاً غير قابلة للمساومة. ومن ثم فإن إنسان الألفية الثالثة، ابن الانفجار المعلوماتي، قد تحرر من التراتب الاجتماعي والسياسي ليصبح أفقاً للتجديد التنموي والسياسي، وفاعلاً لا يمكن تجاوزه في صياغة المستقبل.