وصفة الداخلية الجديدة: هل تُعيد التنمية إلى السكة أم تؤسس لمرحلة “تنمية بلا ديمقراطية”؟

مع اقتراب انتخابات مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تدخل المملكة مرحلة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الهندسة الانتخابية مع إعادة ترتيب عميقة لمنظومة التنمية الترابية. فالمستجدات الأخيرة، من مصادقة البرلمان على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، إلى إعلان وزارة الداخلية عن فترة استثنائية للتسجيل ونقل القيد في اللوائح الانتخابية، لا تبدو إجراءات تقنية معزولة، بل تشكل جزءا من مسار أوسع يروم ضبط قواعد المرحلة المقبلة: مجالس منتخبة جديدة، جهات بصلاحيات معاد توزيعها، وإدارة ترابية تعود بقوة إلى صلب القرار التنموي.

من فشل المجالس إلى البحث عن وصفة جديدة

تطرح هذه التحولات سؤالا جوهريا حول خلفياتها السياسية والمؤسساتية، خاصة بعد سنوات من الانتقادات الموجهة إلى أداء عدد من المجالس المنتخبة، سواء على مستوى بطء الإنجاز، أو ضعف التخطيط، أو محدودية القدرة على تحويل البرامج إلى مشاريع ملموسة. ومن هنا يبدو أن الدولة تتجه نحو صيغة جديدة لإعادة قطار التنمية إلى سكته، تقوم على تقوية آليات التتبع والتنفيذ، وربط البرامج الترابية بمنظومة حكامة أكثر صرامة، بدل تركها رهينة التوازنات المحلية والحسابات الانتخابية الضيقة.

عرض الداخلية أمام الملك: بداية التحول

شكّل العرض الذي قدمه وزير الداخلية أمام جلالة الملك محمد السادس، خلال المجلس الوزاري المنعقد يوم 9 أبريل 2026 بالقصر الملكي بالرباط، نقطة انطلاق واضحة لهذا التحول. فقد عرض الوزير الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وهي برامج تستند، بحسب المعطيات الرسمية، إلى مقاربة تنطلق من حاجيات المواطنات والمواطنين محليا، وتعتمد على تشخيص ترابي لكل عمالة وإقليم، وتحليل المؤشرات السوسيو-اقتصادية المرتبطة بالشغل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي.

. 210 مليار درهم لتدبير التنمية الترابية

تكشف الأرقام المعلنة حجم الرهان الذي تراهن عليه الدولة في هذه المرحلة، إذ تصل التقديرات الأولية للغلاف المالي المخصص لتنفيذ هذه البرامج إلى حوالي 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات. غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في قيمته المالية، بل في كونه يرتبط بمنظومة تنفيذ جديدة تسعى إلى تجاوز منطق البرامج المتفرقة، والانتقال نحو مشاريع ترابية مندمجة، قابلة للتتبع والتقييم، وموجهة أساسا إلى تحسين ظروف العيش وتقليص الفوارق المجالية.

العامل والوالي في قلب القرار المحلي

تقوم الهندسة الجديدة على توزيع واضح للأدوار بين المستويات المحلية والجهوية والوطنية. فعلى المستوى المحلي، ستُحدث لجنة يترأسها عامل العمالة أو الإقليم، وتضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، وتتولى إعداد البرامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع الساكنة. أما على المستوى الجهوي، فسيتولى والي الجهة تجميع البرامج الخاصة بالعمالات والأقاليم، وضمان انسجامها العام. وهنا يبرز التحول السياسي الأهم: المنتخبون حاضرون داخل المنظومة، لكن مركز الثقل يميل بوضوح نحو الإدارة الترابية.

تعديل قانون الجهات: من التصور إلى التشريع

لم يبق هذا التحول في مستوى التصور الإداري فقط، بل انتقل إلى المسار التشريعي من خلال مصادقة البرلمان على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات. ويهدف هذا التعديل إلى إعادة ترتيب آليات التنفيذ، وتدقيق اختصاصات الجهات، وتقوية مواردها المالية، بما يجعل الجهة فاعلا أساسيا في التنمية الاقتصادية. غير أن هذا الإصلاح، رغم أهميته، يطرح سؤالا سياسيا حساسا: هل يتعلق الأمر بتقوية فعلية للجهوية المتقدمة، أم بإعادة ضبطها داخل منظومة مراقبة إدارية أكثر إحكاما؟

شركات مساهمة بدل وكالات تنفيذ المشاريع

من أبرز مستجدات الإصلاح تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، يترأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات. وتبرر هذه الصيغة بالرغبة في الجمع بين الرقابة العمومية ومرونة التدبير ونجاعة الأداء المستمدة من القطاع الخاص. غير أن هذا الاختيار يفتح بدوره نقاشا حول طبيعة المسؤولية والمحاسبة: فمن سيتحمل المسؤولية السياسية عند تعثر المشاريع؟ هل رئيس الجهة المنتخب؟ أم الإدارة الترابية المشرفة؟ أم الشركة باعتبارها آلية تنفيذية ذات طابع خاص؟

اللوائح الانتخابية: التمهيد العملي لانتخابات 2026

بالتوازي مع هذه التحولات، أعلنت وزارة الداخلية عن فتح فترة للتسجيل ونقل القيد في اللوائح الانتخابية العامة، استعدادا لانتخابات مجلس النواب المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026. ويهم هذا الإجراء المواطنات والمواطنين غير المسجلين، والبالغين سن التصويت، والراغبين في نقل قيدهم الانتخابي. ورغم أن مراجعة اللوائح تبدو عملية تقنية عادية، فإن توقيتها يمنحها بعدا سياسيا واضحا، لأنها تسبق محطة انتخابية تجري في ظل إعادة تشكيل قواعد القرار الترابي والتنموي.

“حزب الداخلية”: مفهوم سياسي يعود إلى الواجهة

تدفع هذه المستجدات إلى عودة النقاش حول ما يسمى سياسيا بـ“حزب الداخلية”، وهو تعبير لا يحيل على حزب قانوني، بل على قوة الإدارة الترابية داخل الحياة السياسية والتنموية. فكلما تعثرت المؤسسات المنتخبة، عادت الإدارة لتملأ الفراغ، وكلما ضعفت الأحزاب في إنتاج نخب محلية قادرة على الإنجاز، برزت الحاجة إلى تدخل الدولة لضبط الإيقاع. غير أن هذا المنطق، وإن كان يحقق قدرا من النجاعة، قد يضعف في المقابل ثقة المواطن في جدوى التصويت إذا شعر بأن القرار الحقيقي يوجد خارج المؤسسات المنتخبة.

تنمية أكثر نجاعة أم ديمقراطية أقل تأثيرا؟

السؤال المركزي هنا لا يتعلق برفض الحاجة إلى حكامة أكثر صرامة، لأن واقع عدد من الجماعات والجهات يثبت وجود اختلالات حقيقية في التخطيط والتنفيذ والتتبع. لكن الإشكال يكمن في التوازن بين النجاعة والديمقراطية. فهل يمكن إنتاج تنمية فعالة من دون تقوية الديمقراطية المحلية؟ وهل يكفي تسريع المشاريع وتدقيق مساطر التنفيذ لتعويض ضعف التمثيلية والمساءلة؟ إن الخطر لا يكمن في حضور الإدارة، بل في تحول المنتخبين إلى مجرد شركاء شكليين داخل منظومة تقررها أجهزة أخرى.

ما بعد 23 شتنبر: اختبار الثقة والشرعية

تبدو انتخابات 23 شتنبر 2026، في ضوء هذه المعطيات، أكثر من مجرد محطة لتجديد مجلس النواب؛ إنها اختبار لطبيعة المرحلة السياسية المقبلة. فالدولة تضع هندسة جديدة للتنمية، والبرلمان صادق على تعديل قانون الجهات، ووزارة الداخلية فتحت ورش اللوائح الانتخابية، بينما ينتظر المواطن نتائج ملموسة في الشغل والصحة والتعليم والماء والبنيات الأساسية. وإذا نجحت هذه الصيغة في تحقيق التنمية مع الحفاظ على معنى التمثيلية والمساءلة، فقد تشكل منعطفا إيجابيا في مسار الجهوية. أما إذا أفرزت تنمية تقنية تحت قيادة إدارية قوية ومؤسسات منتخبة محدودة التأثير، فسنكون أمام مرحلة سياسية جديدة عنوانها العريض: التنمية أولا، والديمقراطية المحلية لاحقا.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.