الأسرة المغربية… الحاضن الأول للعاطلين في ظل هشاشة سوق الشغل

تكشف معطيات البحث الوطني حول الأسرة 2025 أن الأسرة المغربية ما تزال تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة البطالة، حيث تتحول في كثير من الحالات إلى الحاضن الاقتصادي والاجتماعي الأساسي للعاطلين عن العمل. فبينما يظل الولوج إلى سوق الشغل محفوفا بالصعوبات، خصوصا لدى الشباب، تستمر الأسرة في لعب دور شبكة الأمان الأولى التي توفر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي وتخفف من آثار البطالة على الأفراد.

وتشير بيانات التقرير إلى أن 58.7 في المائة من العاطلين عن العمل يتلقون دعما ماليا من أحد أفراد الأسرة داخل نفس الأسرة المعيشية لتغطية المصاريف اليومية. وتبرز هذه المعطيات أن التضامن داخل الأسرة يظل آلية رئيسية للتكيف مع البطالة، إذ يأتي هذا الدعم غالبا من الآباء أو كبار أفراد الأسرة الذين يتحملون عبء إعالة الأبناء العاطلين، وهو ما يعكس استمرار قوة الروابط العائلية في المجتمع المغربي.

كما تظهر الأرقام أن هذا التضامن العائلي أكثر انتشارا في الوسط الحضري، حيث تصل نسبة المستفيدين من الدعم داخل الأسرة إلى 60.9 في المائة مقابل 51.7 في المائة في الوسط القروي. ويعكس هذا التفاوت طبيعة البنية الاقتصادية والاجتماعية بين المجالين، حيث تتزايد في المدن الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب المتعلم، ما يجعل الأسرة ملاذا اقتصاديا أساسيا خلال فترات البحث عن العمل.

غير أن التقرير يكشف في الوقت نفسه مفارقة اجتماعية لافتة، إذ إن الدعم العائلي للعاطلين يرتفع كلما ارتفع المستوى المعيشي للأسرة. فبينما لا تتجاوز نسبة العاطلين المستفيدين من دعم داخل الأسرة 43.7 في المائة لدى أفقر 20 في المائة من الأسر، ترتفع هذه النسبة إلى 73 في المائة لدى أغنى 20 في المائة. ويعني ذلك أن قدرة الأسرة على لعب دور الحاضن الاقتصادي للعاطلين تبقى مرتبطة بإمكاناتها المالية، وهو ما يكرس تفاوتا غير مباشر في فرص الصمود الاجتماعي أمام البطالة.

ولا يقتصر دور الأسرة على تقديم الدعم المالي المباشر، بل يمتد أيضا إلى المساهمة في خلق فرص العمل الذاتي. فالمعطيات تفيد بأن 13.7 في المائة من العاملين لحسابهم الخاص يعتمدون على يد عاملة عائلية في أنشطتهم المهنية، وهي نسبة ترتفع بشكل ملحوظ في الوسط القروي. كما أن نسبة مهمة من المشاريع الفردية تنطلق بدعم من أفراد الأسرة، سواء من خلال المساعدة المالية أو عبر توفير اليد العاملة أو نقل الخبرة المهنية.

وفي السياق ذاته، تكشف نتائج البحث أن 3.7 في المائة من العاملين يشتغلون داخل مقاولات عائلية، مع ارتفاع هذه النسبة في الوسط القروي إلى 7.5 في المائة. ويظل الدافع الرئيسي للعمل داخل هذا النوع من المقاولات هو الحفاظ على الإرث العائلي، غير أن جزءا من هذا الاختيار يرتبط أيضا بضعف فرص الشغل خارج الإطار العائلي، ما يجعل المقاولة العائلية في بعض الحالات بديلا اقتصاديا اضطراريا أكثر منه خيارا مهنيا حرا.

وتبرز هذه المؤشرات أن الأسرة المغربية تؤدي وظيفة اقتصادية تتجاوز بعدها الاجتماعي التقليدي، إذ تتحول إلى آلية غير رسمية للحماية الاجتماعية في مواجهة البطالة. غير أن استمرار هذا الدور يطرح في الوقت نفسه أسئلة أعمق حول قدرة الاقتصاد الوطني على توفير فرص شغل كافية ومستقرة، وحول حدود التضامن العائلي في تعويض الاختلالات البنيوية لسوق العمل، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي تعرفها الأسرة المغربية اليوم.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.