بقلم: محفوظ بن صالح
أثار الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات موجة جديدة من الغلاء شملت الخضر والفواكه ومواد استهلاكية أخرى، وهو ما زاد من الضغط على الأسر المغربية التي تعاني أصلا من تراجع القدرة الشرائية، وفي المقابل يلاحظ أن عددا كبيرا ممن يقدمون أنفسهم اليوم كمؤثرين تجنبوا الخوض في هذا الموضوع، رغم أنه من أكثر القضايا التصاقا بالحياة اليومية للمواطنين.
فهل هذا الصمت يتعلق باختيار مهني نابع من الحرص على التوازن، أم أنه نوع من التواطؤ المكشوف مع واقع لا يراد فتح النقاش حوله بجدية؟ لأن من يملك جمهورا واسعا، ويتدخل يوميا في قضايا ثانوية ووصل إلى غرف النوم لبعض الاسر المغربية، لا يمكنه أن يتجاهل فجأة ملفا يمس معيش المغاربة بشكل مباشر ثم يقدم ذلك على أنه حياد. الحياد لا يعني الصمت عن القضايا الأساسية، بل يعني تناولها بمسؤولية، بعيدا عن التهويل وبعيدا أيضا عن التبرير.
المفروض أن يساهم هؤلاء، كل من موقعه، في توضيح أسباب الغلاء للرأي العام. فالمغاربة لا يملكون صورة دقيقة عن مصدر الأزمة: هل ترتبط فعلا بالاضطرابات الجيوسياسية وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط؟ أم تتحمل الشركات جزءا من المسؤولية؟ وهل يعود الأمر إلى الوسطاء وتجار الأزمات؟ أم أن المشكل ناتج عن تداخل هذه العوامل كلها؟ هذا النوع من الأسئلة يحتاج إلى تفسير ومتابعة ومقارنة للمعطيات، لا إلى التجاهل أو تحويل النقاش إلى مادة سطحية.
إن غياب التفسير لا يمر دون كلفة. فأزمة المحروقات أحدثت بالفعل ثقبا في ميزانية الأسر المغربية، ورفعت كلفة النقل والتوزيع والإنتاج، وانعكس ذلك على أسعار عدد من المواد الأساسية. وعندما لا يفهم المواطن أسباب هذا الوضع، ولا يجد خطابا إعلاميا يساعده على الفهم وترتيب المسؤوليات، فإن النتيجة تكون مزيدا من الغضب والشك والاحتقان الاجتماعي. لذلك فالمجتمع يحتاج اليوم إلى وساطة إعلامية صادقة بين صناع القرار والواقع الاقتصادي، لا إلى محتوى يتفادى الملفات المزعجة.
في هذا السياق، تعود أهمية الصحافة المهنية. فالصحافة مطالبة اليوم بالقيام بوظيفتها الأساسية في الرقابة على الشأن العام، وطرح الأسئلة الضرورية، وتقديم المعلومات بشكل متوازن وواضح، بعيدا عن الشعبوية والتفاهة والتسطيح. والمشكلة اليوم ليست فقط في ضعف هذا الدور، بل في محاولة تعويضه بجيش واسع من صناع المحتوى الذين لا تضبطهم رؤية تحريرية ولا يلزمهم ميثاق أخلاقي.
أن المجتمع لا يخسر من وجود صحافة قوية، بل يخسر حين تضعف الصحافة ويترك الرأي العام تحت تأثير محتوى واسع الانتشار لكنه محدود الفائدة، خصوصا في قضايا تمس الاستقرار الاجتماعي والمعيشي للمغاربة.