بقلم: محفوظ بنصالح
يبدو الهدوء الذي تعرفه الساحة السياسية المغربية، مع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، مشوبا بكثير من الحذر، فالخرجات السياسية لم تعد تثير كثيرا من الجدل، بالرغم من محاولة بعض الساسة، بين الفينة والأخرى، إطلاق الرصاص في الهواء، لكن من دون أثر سياسي حقيقي، وكأن السياسة نفسها فقدت بريقها، أو لعلها فقدت قدرتها على التأثير في المزاج العام.
الأمر لا يتوقف عند حدود الأحزاب وقياداتها، بل يمتد إلى المجتمع نفسه، فالمغاربة، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، يوجدون في حالة شرود لافت عن الأخبار ذات الصلة بالسياسة، بل وحتى عن قضايا تمسهم مباشرة، من قبيل ارتفاع أثمنة المحروقات، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة القلق الاجتماعي.
فهل فقد المغاربة شهية الاهتمام بالسياسة وما يدور في فلكها؟ أم أنهم، ببساطة، فقدوا الأمل في السياسيين، واقتنعوا بأن كل “أبناء عبد الواحد واحد”، كما يقول المثل الدارج مما يطرح إشكالا عميقا بحيث يكون العزوف الحالي ليس مجرد فتور مؤقت، بل تعبير عن اقتناع راسخ بأن السياسة لم تعد تنتج فرقا، وأن الوعود لم تعد تقنع أحدا.
وأمام هذا التكلس الذي يعرفه النقاش السياسي المغربي، والصمت المريب الذي لاذت به الأحزاب، تستمر الآلة التقنية في التحضير للانتخابات بوتيرة منتظمة: استكمال التشريعات اللازمة، تحديد موعد الانتخابات، والتصريحات المتواترة حول ضرورة التزام الجميع بالقوانين المنظمة، وإدماج النساء والشباب، وغيرها من النداءات التي تثار من حين لآخر.
كل هذا مهم من زاوية تنظيمية ومؤسساتية، لكنه لا يكفي لبناء لحظة سياسية حقيقية. فالانتخابات ليست فقط قوانين ومساطر وترتيبات تقنية، بل هي أيضا مناخ عام، وثقة، وتنافس في البرامج، وإحساس لدى المواطن بأن رأيه له قيمة، وأن صوته يمكن أن يؤثر في ما ستفرزه الصناديق. أما حين يتحول كل شيء إلى مجرد تحضير تقني، في مقابل فراغ سياسي ظاهر، فإن العملية الانتخابية تصبح منضبطة في شكلها، لكنها فاقدة للروح.
فهل فعلا فقد النقاش السياسي بريقه؟ أم أن المرحلة تقتضي نقاشا صامتا بلغة الإشارات والتلميحات؟ وهل نحن أمام صمت محسوب تفرضه توازنات ما قبل الانتخابات، أم أمام عجز جماعي عن إنتاج خطاب سياسي جديد؟
أما المشهد الإعلامي فقد تأثر بشكل رهيب بهذا المزاج السياسي الفاتر وهو بدوره غير لاقطاته الهوائية نحو قضايا هامشية لا تنفع ولا تضر، تاركا الأسئلة الجوهرية خارج دائرة الاشتغال الجاد.
فأزمة الإعلام من أزمة السياسة بشكل متلازم فوسائل الإعلام، حين تبتعد عن التقاط ما يعتمل داخل المجتمع من شكوك وانتظارات وخيبات، تساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في توسيع المسافة بين السياسة والمواطن.
فهل فعلا مات الرأي العام؟ أم أنه لم يكن أصلا هناك رأي عام بالمعنى السياسي العميق، بل مجرد غوغاء تثار من حين لآخر، ثم تخبو بسرعة، فالرأي العام ليس موجة غضب عابرة، ولا تعليقا ناريا على منصة رقمية، بل هو وعي جماعي متماسك، قادر على التأثير والضغط والمساءلة. وإذا كنا نفتقد اليوم هذا الأثر، فذلك يعني أن الخلل أعمق من مجرد فتور انتخابي، وأننا أمام أزمة ثقة في السياسة، وفي الوسائط، وفي معنى المشاركة نفسها.
لهذا، فإن أخطر ما قد ندخل به إلى انتخابات شتنبر 2026 ليس فقط الصمت، بل اقتناع المواطن المغربي بأن رأيه لم يعد له تأثير على ما ستفرزه الصناديق، أو أن الصناديق أصلا لن تحدد وحدها هوية الحكومة القادمة. وعندما يصل الإحساس العام إلى هذه الدرجة من البرود، فإن السؤال الحارق ليس من سيفوز بأغلبية المقاعد ليشكل الحكومة، بل ماذا تبقى من السياسة أصلا؟، وماذا تبقى من الرأي العام، في بلد يستعد لانتخابات كبرى وسط كل هذا الصمت؟