مفاوضات ملف الصحراء بمدريد لماذا “قانون الصمت” والسرية التامة؟

في صباح الأحد 7 فبراير 2026 لم تُعلن أي عاصمة مغاربية عن “جولة مفاوضات” جديدة، ولم تصدر بيانات تتحدث عن لقاء بين أطراف النزاع في ملف الصحراء المغربية، لكن مدريد كانت تتحول—وفق ما نشرته El Confidencial—إلى غرفة مغلقة تُدار فيها واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في شمال أفريقيا: مستقبل الصحراء. الجديد هذه المرة لم يكن فقط “اللقاء”، بل هندسته: سريّة مشددة ووساطة أمريكية في قلب العاصمة الإسبانية.
تقول El Confidencial إن التفاوض جرى “في أكثر سرية ممكنة” داخل سفارة الولايات المتحدة بمدريد بطلب من مسعد بولس ومايكل والتز، بما يجعل المكان نفسه جزءاً من الرسالة: واشنطن تريد أن تمسك بالخيط كاملاً، وأن تُبقي التفاصيل خارج التداول العام.
ومع أن مدريد كانت المسرح، فإن إسبانيا—بحسب الرواية الصحفية—لم تُقدَّم كطرف مشارك في الاجتماع. ما ظهر للعلن، أساساً، كان اجتماعات ثنائية لوزير الخارجية الإسباني مع بعض الوافدين، بينما بقيت “الغرفة الأمريكية” بلا صور وبلا تصريحات تقريباً.

طاولة مصغّرة… أسماء كبيرة وعدد قليل

على الطاولة، تصف El Confidencial صيغة عمل “مقلصة”: أربع وفود، ثلاثة أعضاء لكل وفد. الرأسة كانت لوزراء خارجية المغرب (ناصر بوريطة) والجزائر (أحمد عطاف) وموريتانيا (محمد سالم ولد مرزوق) وإلى جانبهم “رئيس دبلوماسية البوليساريو” محمد يسلم بيساط.
داخل الغرفة نفسها، حضر أيضاً ستافان دي ميستورا بصفته مبعوث الأمم المتحدة، لكن El Confidencial ترسم توازناً واضحاً: رعاية أممية “حاضرة بالاسم”، فيما “الصوت القائد” أمريكي منذ أشهر.
وفي الخارج، كان المشهد الرسمي أقل وضوحاً: وكالة EFE تحدثت عن لقاءات منفصلة للوزير الإسباني مع بوريطة ودي ميستورا، مع استمرار “الصمت الرسمي” حول ما يجري، رغم تداول معلومات عن اجتماعات أوسع.

قبل مدريد… 48 ساعة في واشنطن

تضع El Confidencial للقاء مدريد “مقدمة سرّية” في واشنطن: اتصال أول دام 48 ساعة قبل نحو أسبوعين، وكان مقرراً—وفق الصحيفة—أن يُعقد بدايةً في فلوريدا. المعنى هنا أن مدريد لم تكن بداية المسار، بل محطة لتوسيعه وإدخال الجزائر وموريتانيا.

هذا التفصيل يفسر لماذا بدت الجلسة وكأنها “اختبار منظّم”: صيغة محدودة العدد، مكان محكوم بالسرية، ثم انتقال إلى محطة تضم أطراف الإقليم. وهو أيضاً ما يتيح لواشنطن أن تقول إنها لا تبدأ من الصفر بل تبني على “قناة اتصال” سابقة.
أما الهدف المُعلن—أو شبه المُعلن—فهو ربط المسار بمرجعية أممية بعينها: El Confidencial تشير إلى أن بولس شدّد على الانطلاق من قرار مجلس الأمن 2797 (2025).

ورقة 40 صفحة”… توسعة العرض المغربي وتقييم أمريكي أولي

أكثر ما يميز رواية El Confidencial هو الحديث عن “ورقة جديدة” من 40 صفحة للحكم الذاتي، بدل “ثلاث صفحات” تقريباً في طرح 2007، بعد ضغط دولي لإعطاء الخطة “مضموناً أكثر”.
وتذهب الصحيفة إلى داخل “مطبخ الإعداد” فتذكر أسماء مستشارين ومسؤولين مغاربة شاركوا—بحسبها—في صياغة الوثيقة أو دعمها، مع الإشارة إلى أن الخطة عُزِّزت في يناير 2026. هذا جزء من سردها، ويظل منسوباً لمصادرها الصحفية لا لوثيقة رسمية منشورة للرأي العام.
ثم تضيف الطبقة الأكثر حساسية: “التقييم الأول” للممثلين الأمريكيين—كما تنقله El Confidencial—اعتبر أن “حكماً ذاتياً حقيقياً” قد يستلزم ترتيبات دستورية/سياسية داخل المغرب، وقد يفتح نقاش “التجارب السابقة” في مناطق أخرى. هنا تصبح الورقة التفاوضية، في تصور الصحيفة، ورقة داخلية أيضاً.

فكرة “اللجنة التقنية الدائمة”… والخلاف على التفويض

إذا كانت “الورقة” هي المادة الخام، فإن “اللجنة” هي الآلة التي ستشتغل عليها. El Confidencial تقول إن النقاش تركّز على إنشاء لجنة تقنية دائمة تضم ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، مع خبراء (قانونيين وغيرهم)، وتعمل تحت إشراف أمريكي-أممي.
غير أن الخلاف—وفق الصحيفة—لم يكن حول وجود لجنة من عدمه، بل حول سؤال واحد: على أي أساس تشتغل؟ “مصادر قريبة من الوفد المغربي” (كما تسميها El Confidencial) ترى أن مهمة اللجنة هي تحسين خطة الحكم الذاتي المغربية وأنها ستكون “وثيقة العمل الوحيدة” دون بدائل.
في المقابل، تنقل الصحيفة أن “المعسكر الآخر” يريد تفويضاً أوسع يدرس “مسارات بديلة” ويأخذ بعين الاعتبار مطلب تقرير المصير، مع تأكيد أن الجزائر لم تتراجع—في تلك اللحظة—عن هذا المبدأ. وهنا يظهر سبب التعثر: اللجنة ليست تقنية فقط؛ تفويضها يرسم سقف الحل.

الصمت والإخراج… لا صورة، ولا بيان، وتمديد للضغط

عندما انتهت جلسة الأحد، تقول El Confidencial إن واشنطن رفعت الضغط بتمديد المفاوضات إلى الاثنين 9 فبراير 2026. ثم خرجت إلى العلن صيغة وحيدة تقريباً: إفادة مقتضبة عن “تيسير محادثات” مرتبطة بتطبيق القرار 2797.
اللافت في رواية الصحيفة ليس ما قيل، بل ما لم يُفعل: لا صورة جماعية للحاضرين، ولا بيان مشترك، ولا حتى بيان مفصل من الخارجية الأمريكية، رغم ما تصفه El Confidencial بـ“إصرار” بولس على صورة.
وتضع الصحيفة رفض الصورة في سياق سياسي مغاربي: تنقل أن أحمد عطاف رفض الفكرة بحجة أن التقاط صورة لا معنى له ما دامت العلاقات غير مطبّعة. هذه رواية منسوبة لمصادر قريبة من الوفد المغربي كما تذكرها الصحيفة.

واشنطن تريد “اتفاقاً إطاراً” في مايو… ومعادلة لا تُغضب الجزائر كثيراً

في متابعة 9 فبراير، تعطي El Confidencial هدفاً زمنياً واضحاً: توقيع اتفاق إطار في واشنطن خلال مايو 2026. وتعرض المسألة كميزان مصالح أمريكي: تقدمٌ يرضي الحليف المغربي، من دون إضرار كبير بالجزائر بوصفها فاعلاً طاقياً ومعدنياً.
الصحيفة تربط هذا الهدف بمخرج “إجرائي”: إذا لم تتفق الأطراف على الجوهر الآن، يمكن أن تتفق على “قواعد اللعبة” (خارطة طريق/لجنة/تفويض)، ثم تُرحّل السياسة الكبرى إلى محطة واشنطن.
وبالتوازي، تلتقط El País الفكرة نفسها لكن بصيغة أكثر مؤسساتية: الحديث عن خارطة طريق إجرائية تمهيداً لمحاولة توقيع اتفاق سياسي في مايو، مع تأكيد أن الاجتماع جرى داخل سفارة الولايات المتحدة وبوجود دي ميستورا.

الرهان الأوسع… “مصالحة مغاربية” وملفات حدود وغاز

هنا تكشف El Confidencial عن طبقة إضافية: واشنطن—بحسب الصحيفة—لا تلاحق فقط وقف “حرب منخفضة الشدة”، بل تسعى إلى مصالحة مغربية-جزائرية تشمل فتح الحدود البرية المغلقة منذ 1994، واستئناف الرحلات، واستعادة العلاقات الدبلوماسية، وحتى إعادة تشغيل أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي الذي تقول الصحيفة إن الجزائر أغلقته في أكتوبر 2021.
هذه التفاصيل لا تظهر في أي بيان رسمي منشور عن اللقاء، لكنها مهمة في التحقيق لأنها تفسر لماذا تحضر الجزائر على الطاولة رغم إصرارها الدائم على وصف نفسها بأنها “ليست طرفاً” في النزاع. إذا كان التفاوض محمولاً على “سلة” ملفات، تصبح المشاركة جزءاً من مساومة أكبر.
في هذا السياق أيضاً، تُعيد El País التذكير بأن القرار 2797 اعتبر “حكماً ذاتياً حقيقياً” مخرجاً “أكثر قابلية”، وأن الاتحاد الأوروبي عبّر—وفقها—عن دعم للخطة المغربية كقاعدة لحل سياسي، ما يضيف ضغطاً دولياً باتجاه خيار واحد أكثر من غيره.

المينورسو … ومرجعية القرار 2797 في الواجهة

لفهم ما يجري في مدريد، لا يكفي تتبع “الغرفة”، بل يجب قراءة المرجعية التي تُساق إليها الأطراف. قرار مجلس الأمن 2797 (31 أكتوبر 2025) يجدد ولاية مينورسو ويعيد تأكيد مفردات تفاوضية تتحدث عن “حل سياسي واقعي وبراغماتي… قائم على التوافق”، مع الإشارة إلى أن “حكماً ذاتياً حقيقياً” قد يمثل المخرج “الأكثر قابلية”.
والمينورسو نفسها—وفق الأمم المتحدة—أُنشئت بقرار مجلس الأمن 690 في 29 أبريل 1991 لمراقبة وقف إطلاق النار والمساعدة في ترتيبات استفتاء لم ينجز. ذكر هذا البعد مهم لأن “آلية الأمم المتحدة” هي ما يُراد—على الأقل شكلياً—أن يعطي لأي اتفاق إطار لاحق غطاءه الدولي.
أما النقاش حول “تقليص/تفكيك” دور مينورسو أو مراجعة وظائفها، فيظهر في الإعلام كجزء من شدّ الحبل السياسي، لكنه ليس—حتى الآن—مادة اتفاق معلنة في مدريد؛ هو مؤشر على أن التفاوض لا يتناول فقط “حلّاً” بل أيضاً “آلية إشراف” على ما بعد الحل.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.