بعد أستراليا، تتجه فرنسا نحو تشديد القيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً، في خطوة تعكس تحوّلاً عميقاً في مقاربة الدول لمسألة حضور الأطفال في الفضاء الرقمي. لم يعد النقاش مقتصراً على عدد الساعات التي يقضيها الصغار أمام الشاشات، بل اتسع ليشمل تأثير المنصات على النمو النفسي والاجتماعي، وعلى شكل الطفولة نفسها في زمن بات فيه الوجود الرقمي سابقاً للنضج العاطفي.
جيل ما قبل وسائل التواصل نشأ في فضاء أكثر بطئاً وأقل عرضة للتوثيق الدائم. كانت الأخطاء تُرتكب وتُنسى، وكانت الصداقات تُبنى في الحي والمدرسة بعيداً عن ضغط “الجمهور”. أما اليوم، فقد أصبح الطفل يتفاعل في بيئة رقمية مفتوحة، تقيس القيمة بعدد الإعجابات والمتابعين، وتُخضع التجارب اليومية لمنطق العرض والمقارنة المستمرة، ما يغير طريقة إدراك الذات وتكوين العلاقات.
تُظهر بيانات حديثة لهيئات تنظيم الاتصالات في أوروبا أن نسبة متزايدة من الأطفال بين 3 و5 سنوات تستخدم منصات التواصل، سواء عبر حسابات يديرها الأهل أو بشكل مستقل، وهو ما يطرح تساؤلات حول جاهزية هذه الفئة العمرية للتعامل مع محتوى لم يُصمم أساساً ليتوافق مع احتياجاتها النمائية. كما تشير تقارير صحية إلى ارتباط الإفراط في الاستخدام بارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم وتراجع مهارات التفاعل الواقعي.
في المقابل، يرى خبراء التربية أن “الملل” واللعب الحر، اللذين كانا جزءاً طبيعياً من يوم الطفل، تراجعا أمام التدفق المستمر للمحتوى الرقمي. فالوقت غير المهيكل كان مساحة لتعلم الصبر وحل النزاعات وبناء الخيال، بينما توفر المنصات إشباعاً فورياً يقلل من قدرة الطفل على التحمل والتركيز طويل الأمد.
وبين دعوات الحظر والتنظيم الصارم، ومخاوف المساس بالحقوق الرقمية، يتجه النقاش العالمي نحو صياغة توازن دقيق: حماية الصحة النفسية للأطفال، دون إقصائهم كلياً عن عالم بات جزءاً من الواقع المعاصر. فالسؤال لم يعد فقط كيف نحد من الاستخدام، بل كيف نعيد تعريف الطفولة في عصر لا يغلق شاشته أبداً.