الأراضي السلالية أيت يعقوب بين الإقلاع التنموي المنتظر والصراع مع سماسرة العقار

………………………………………
إعداد: محفوظ آيت بنصالح
…………………………………………

تُعتبر الأراضي السلالية في المغرب من أكبر الاحتياطات العقارية الجماعية التي راكمتها الدولة والمجتمعات المحلية عبر التاريخ، لكنها في المقابل تحولت في عدد من المناطق إلى مصدر توتر اجتماعي واقتصادي بسبب غياب الحسم في وضعيتها القانونية، وتضارب المصالح بين أطراف متعددة. فهذه الأراضي، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية لفائدة ذوي الحقوق، ظلت لسنوات طويلة رهينة مساطر معقدة، وتأويلات متباينة للنصوص القانونية، وأحياناً رهينة نفوذ لوبيات محلية تستفيد من حالة الضبابية أكثر مما تتضرر منها.

أزمة صامتة

هذا الوضع أدى إلى تراكم ملفات النزاع والترافع أمام السلطات الإدارية والقضائية، دون أن يوازي ذلك وجود رؤية شمولية تضع نصب أعينها مصلحة ذوي الحقوق باعتبارهم الحلقة الأضعف في معادلة تدبير هذا الرصيد العقاري الكبير. فبين من يسعى إلى تخصيص هذه الأراضي للاستثمار الفلاحي أو العمراني، ومن يتشبث بحقوق الانتفاع التقليدية المرتبطة بالرعي والفلاحة المعاشية، بقيت فئات واسعة من الشباب والنساء في الهامش، تتفرج على نقاشات كبرى لا تنعكس إيجاباً على واقعهم اليومي.
وفي هذا السياق الوطني العام، تبرز حالة الجماعة السلالية أيت يعقوب كنموذج دال على تعقيد ملف الأراضي السلالية، حيث تتقاطع فيها رهانات الاستثمار الفلاحي الكبير مع تطلعات الساكنة المحلية إلى الاستفادة من أراضي الأجداد، ومع ضعف تجاوب السلطات الإقليمية مع مطالب التحديد والتقسيم. وهكذا تحولت أيت يعقوب إلى مرآة مصغرة لمعضلة وطنية أكبر، تطرح بإلحاح سؤال العدالة في تدبير أراضي الجموع.
في قلب هذا الملف يبرز اسم نائب أراضي الجموع بالجماعة السلالية أيت يعقوب، الذي كان في البداية قد تقدّم بتعرض رسمي لدى المحافظة العقارية بوجدة ضد مسطرة تحفيظ تقودها شركة يُتهم أنها ترامَت على جزء من الأراضي السلالية. غير أن هذا الموقف لم يدم طويلاً، إذ تشير المعطيات المتداولة بين ذوي الحقوق إلى أنه، في ظرف وجيز، قام بسحب تعرضه وتراجع عن موقفه الأول، ليتحول من طرف معترض إلى طرف يميل إلى مساندة الشركة المعنية، مبرراً هذا التغيير بما قيل إنها ضغوط مورست عليه من طرف بعض ممثلي السلطة المحلية، علماً أنه يشغل في الوقت نفسه صفة عون سلطة برتبة “شيخ شرفي”.
هذا التحول السريع في الموقف أثار موجة من التساؤلات داخل أوساط ذوي الحقوق، الذين ينظر بعضهم بعين الريبة إلى هذا التراجع المفاجئ، ويتداولون روايات تتحدث عن احتمال وجود إغراءات مالية أو مصالح غير معلنة أثرت في قرار نائب أراضي الجموع، دون أن يصدر أي توضيح رسمي يبدّد هذه الشكوك. وبين رواية “الضغوط الإدارية” التي يلوّح بها المعني بالأمر، ورواية “الإغراء بالمقابل المادي” التي يتداولها عدد من أبناء الدوار، يظل غياب التحقيق الشفاف والتواصل الواضح من الجهات المختصة عاملاً أساسياً في تعميق فقدان الثقة في مسار تدبير هذا الملف الحساس.

أيت يعقوب

تقع أراضي الجماعة السلالية أيت يعقوب ضمن النفوذ الترابي لجماعة وقيادة ودائرة بني تدجيت، التابعة لإقليم فكيك بجهة الشرق، وهو مجال جغرافي شاسع يتوسط مناطق تعرف هشاشة مناخية واجتماعية، لكنه في المقابل يتوفر على مؤهلات فلاحية واعدة. هذا الموقع، القريب من عدد من المراكز القروية، يجعل من أراضي أيت يعقوب مجالاً استراتيجياً لأي رؤية تنموية تروم خلق قطب فلاحي جديد بالمنطقة الشرقية.
تبلغ المساحة الإجمالية لهذه الأراضي أزيد من 20 ألف هكتار، وهي مساحة ضخمة بالنظر إلى الخصاص الكبير في العقار المخصص للاستثمار الفلاحي على الصعيد الوطني. وتشير المعطيات المتداولة بين ذوي الحقوق إلى أن ما بين 8000 و9000 هكتار من هذه المساحة صالحة لجميع أنواع الزراعات، مع توفر الفرشة المائية، وهو ما يمنح المنطقة قدرة حقيقية على احتضان مشاريع فلاحية كبرى ومتنوعة، من الحبوب والأعلاف إلى الزراعات ذات القيمة المضافة العالية.
أبناء الجماعة السلالية أيت يعقوب كانوا ولا يزالون يستغلون هذه الأراضي كمراعي مفتوحة لقطعانهم، في إطار نمط عيش رعوي تقليدي متجذر في المنطقة، كما أن حوالي 1500 من ذوي الحقوق يرتبطون بهذه الأراضي قانونياً واجتماعياً، بعضهم يقيم اليوم في دوار أيت يعقوب الواقع في قلب هذا المجال الشاسع. هذا الارتباط المزدوج، القانوني والوجداني، يجعل من أي قرار يهم هذه الأراضي مسألة حياة يومية بالنسبة للأسر، وليس مجرد موضوع إداري تقني يمكن البت فيه بعيداً عن صوت الساكنة.

ترامي ممنهج

رغم وضوح الطابع السلالي لأراضي أيت يعقوب، فقد وجدت الجماعة نفسها في مواجهة موجات من الترامي غير المشروع، بدأت بإحدى الشركات المجهولة الهوية التي استولت، وفق رواية ذوي الحقوق، على ما مجموعه 2470 هكتاراً من هذه الأراضي بطرق اعتُبرت ملتوية من طرف الساكنة. هذه الشركة باشرت مسطرة التحفيظ العقاري لتثبيت وضعيتها القانونية على الأرض، في غياب أي استشارة حقيقية مع ذوي الحقوق، أو إعمال واضح لمبدأ إشراكهم في كل قرار يهم أراضيهم.
أمام هذا الوضع، تحرك نائب أراضي الجموع بأيت يعقوب وقدم تعرضاً رسمياً لدى المحافظة العقارية بوجدة، وهو ما أدى إلى توقيف مسطرة التحفيظ وإيقاف عملية نقل الملكية لصالح الشركة المعنية. هذا التعرض شكّل لحظة فارقة في مسار الملف، إذ أعاد الاعتبار لدور نواب أراضي الجموع كخط دفاع أول عن حقوق الساكنة، وأرسل في الوقت نفسه رسالة مفادها أن الصمت لم يعد خياراً أمام ما يعتبره ذوو الحقوق محاولة للاستيلاء على رصيدهم العقاري الجماعي.
غير أن الترامي لم يقتصر على الشركة مجهولة الهوية، بل توازى معه شروع عدد من الفلاحين الصغار في الاستحواذ على مساحات صغيرة من هذه الأراضي تحت أنظار السلطات المحلية، قبل أن يبدأ هؤلاء في التوسع التدريجي داخل المجال السلالي. هذا التوسع، وإن تم بوثيرة أقل تنظيماً مما قامت به الشركة، إلا أنه يطرح إشكالاً آخر يتعلق بغياب الضبط الصارم لوضعية العقار، وباستمرار منطق “من سبق إلى الأرض” على حساب احترام قواعد التدبير الجماعي العادل والمنظم.

مراسلات مهملة

في مواجهة هذا الوضع الملتبس، لم تلزم الجماعة السلالية أيت يعقوب الصمت، بل سارعت إلى سلوك المساطر الإدارية المتاحة، ووجهت مجموعة من المراسلات إلى عامل إقليم فكيك تطالبه فيها بالتدخل لتحديد حدود الأراضي وتقسيمها بين ذوي الحقوق. هذه المراسلات كانت ترمي إلى وضع حد لحالة الفراغ التنظيمي التي جعلت الأرض مفتوحة أمام الترامي، وإلى خلق إطار قانوني واضح يسمح لأبناء الجماعة بإطلاق مشاريعهم الاستثمارية على أساس متين.
غير أن هذه النداءات، حسب ما يؤكده عدد من ذوي الحقوق، لم تلق التجاوب المنتظر من طرف السلطات الإقليمية، إذ بقيت مطلب التحديد والتقسيم معلقاً دون برمجة واضحة أو آجال مضبوطة. هذا التأخر في التفاعل مع الملف عمّق الإحساس لدى الساكنة بأن صوتهم لا يصل بالقدر الكافي إلى مراكز القرار، وأن حقوقهم في أراضي أجدادهم يمكن أن تُؤجل إلى أجل غير مسمى، في وقت تتقدم فيه مساطر أخرى لفائدة أطراف أكثر تنظيماً أو نفوذاً.
ومع توالي سنوات الانتظار، تحوّل ملف أيت يعقوب إلى عنوان لغياب النجاعة في تدبير الإشكالات العقارية ذات الحساسية الاجتماعية، حيث يشعر ذوو الحقوق بأن الدولة، ممثلة في سلطاتها المحلية والإقليمية، لم تُفعّل بعد كل ما يتيحه القانون من آليات لحسم الوضعية، سواء عبر التحديد الإداري أو التقسيم أو توجيه الأرض نحو مشاريع شراكة واضحة المعالم. وهذا ما يكرّس حالة التوتر الصامت في المنطقة، ويغذي الإحساس بالغبن لدى فئات واسعة من الساكنة.

ضغوط خفية

إلى جانب الترامي والمماطلة الإدارية، يتحدث عدد من ذوي الحقوق عن ضغوط تمارس على نواب أراضي الجموع، في محاولة لدفعهم إلى القبول بحلول لا تخدم بالضرورة المصلحة الجماعية. هذه الضغوط، التي تتنوع بين الإقناع الناعم ومحاولات التهميش أو التشكيك في الشرعية التمثيلية، تضع ممثلي الساكنة في موقع صعب، بين واجب الدفاع عن حقوق الجماعة وبين الخشية من أن يتحولوا إلى كبش فداء في صراعات خفية على الأرض.
وتزداد خطورة هذه الضغوط حين تقترن بمحاولات شق الصف الداخلي لذوي الحقوق، عبر خلق انقسامات بين من يُقدَّم لهم حلم الاستفادة الفردية السريعة، ومن يتمسكون بمنطق الحل الجماعي المنظم الذي يضمن للجميع حظاً عادلاً في استغلال الأرض. وهكذا يصبح نزاع الأراضي السلالية ليس فقط صراعاً قانونياً أو اقتصادياً، بل أيضاً معركة على مستوى الثقة داخل الجماعة نفسها، وما يرافق ذلك من تأثيرات على الروابط الاجتماعية والعائلية.
في ظل هذه الأجواء المشحونة، يغيب الإطار التواصلي المؤسساتي الذي يضمن الشفافية في اتخاذ القرار، ويحد من التأويلات والإشاعات التي تتداول في المقاهي والفضاءات العامة. فغياب لقاءات رسمية دورية بين السلطات وذوي الحقوق، وغياب نشر معطيات واضحة حول مآل الملف، يترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات، ويجعل أي تحرك إداري أو استثماري موضوع شك وتشكيك، بدل أن يكون خطوة في اتجاه بناء الثقة وجبر الضرر التاريخي الذي يشعر به أبناء أيت يعقوب.


شباب عاطل

في قلب هذا المشهد المعقد، يقف شباب الجماعة السلالية أيت يعقوب كأكبر المتضررين من استمرار غموض وضعية الأرض. فهذه الفئة تعاني من البطالة وقلة فرص الشغل، رغم أنها تمتلك رأس مال حقيقياً يتمثل في الأرض والارتباط بها، فضلاً عن إرادة قوية لإطلاق مشاريع استثمارية فلاحية قادرة على خلق مناصب شغل لهم ولأقرانهم. غير أن هذه الإرادة تصطدم، حسب رواياتهم، برفض طلباتهم وعرقلة مساطرهم في كل مرة يحاولون فيها ترجمة أفكارهم إلى مشاريع عملية.
الشباب تقدموا بمقترحات متعددة لإطلاق مشاريع فلاحية عصرية على جزء من أراضي أيت يعقوب، مستفيدين من توفر الفرشة المائية ومن قرب المنطقة من سد خنك كرو، إلا أن غياب التحديد والتقسيم القانوني حال دون تمكينهم من وثائق الملكية أو عقود الانتفاع التي تتيح لهم الولوج إلى التمويل البنكي وبرامج الدعم العمومي. وهكذا تبقى مشاريعهم حبيسة دفاتر مكاتب الدراسات أو مكاتب المبادرة الفردية، بينما تستمر الأراضي في انتظار من يحسم مصيرها.
هذا التهميش يشعر معه شباب أيت يعقوب بأنهم خارج ركب الجيل الجديد من برامج التنمية الذي ترفع شعاراته على المستوى الوطني، في الوقت الذي يشاهدون فيه جماعات سلالية مجاورة تحوّلت أراضيها إلى منصات لمشاريع فلاحية نوعية وكبرى. فالجماعة السلالية أيت فضولي، مثلاً، التي تمتد حدودها إلى منطقة بوذنيب المعروفة بالاستثمارات الكبيرة في النخيل، والجماعة السلالية بقصر بني تدجيت التي قام ذوو الحقوق فيها بتحديد أراضيهم وتقسيمها، لتضم اليوم أزيد من 400 ضيعة فلاحية تفوق مساحة كل منها 5 هكتارات، تستغل في زراعة منتوجات فلاحية عالية القيمة. هذه النماذج تعمق لدى شباب أيت يعقوب الشعور بأنهم خارج دائرة الإنصاف الترابي.
على بعد كيلومترات قليلة من أراضي أيت يعقوب، تقدم عدد من الدواوير نموذجاً مغايراً في تدبير أراضي الجموع وتسويتها لفائدة ذوي الحقوق. ففي دوار أيت داود بوب، مثلاً، تم تقسيم الأراضي التي تفوق مساحتها ألف هكتار، واستفاد شباب الدوار بشكل ملحوظ من برامج “المخطط الأخضر”، مما أتاح إطلاق مشاريع فلاحية فردية وجماعية. الأمر نفسه ينطبق على قصر بني تدجيت، حيث جرى التقسيم، وأُنشئت عشرات الضيعات الفلاحية التي يستغلها ذوو الحقوق ومستثمرون قدموا من خارج المنطقة، بعد حصولهم على شواهد إدارية سهّلت ولوجهم إلى مختلف آليات الدعم الفلاحي.
وتتكرر الصورة في جماعة أيت فضولي، حيث استفاد شباب القبيلة من تقسيم الأراضي وإعادة تنظيم الانتفاع بها، مع تفويت مساحات متوسطة الحجم لمستثمرين من خارج البلدة، مستفيدين من شواهد إدارية خوّلت لهم الاندماج في برامج “الجيل الجديد” للدعم الفلاحي. أما بدوار السبائك، فقد تم، في الفترة الأخيرة، الشروع في عملية التقسيم بدعم من السلطة المحلية وبمبادرة من شباب الدوار أنفسهم، وهم اليوم في مراحل متقدمة من استكمال الوثائق الإدارية اللازمة للاستفادة من برامج الجيل الأخضر. في المقابل، يظل شباب دوار أيت يعقوب، حسب تعبير عدد منهم، أسرى لوضعية عقارية معلقة، يتحدثون فيها عن “لوبيات محلية” تستفيد بشكل منفرد من وضع الغموض، في ظل اتهامات موجهة لنائب أراضي الجموع بعدم الانتصار لمطلب التقسيم العادل الذي يفتح أمامهم باب الاستثمار على غرار باقي الدواوير المجاورة.

الحسم المطلوب

وزارة الداخلية المغربية، باعتبارها الجهة الوصية على تدبير الأراضي السلالية، تُطرح اليوم أمامها مسؤولية واضحة في إنهاء هذا النزاع القديم الجديد بأيت يعقوب، وتحويله من بؤرة توتر صامت إلى رافعة استثمارية حقيقية في منطقة هامشية تحتاج إلى نفس تنموي جديد. فالوضع الحالي لا يخدم الاستقرار الاجتماعي، ولا ينسجم مع التوجهات الرسمية التي تجعل من تعبئة العقار أحد أعمدة تشجيع الاستثمار المنتج في العالم القروي.
الحسم يبدأ، وفق ما يطالب به ذوو الحقوق، من فتح ورش التحديد الإداري الشفاف لأراضي أيت يعقوب، ثم المرور إلى مرحلة التقسيم العادل والمنظم الذي يضمن لكل ذي حق نصيبه، سواء في إطار قطع فردية أو في إطار مشاريع جماعية مهيكلة. كما يمكن، في مرحلة لاحقة، بلورة صيغ شراكة بين ذوي الحقوق والمستثمرين الخواص أو المؤسسات العمومية، تضمن الحفاظ على الطابع السلالي للأرض وفي الوقت نفسه تمكينها من لعب دورها كاملاً في خلق القيمة المضافة وفرص الشغل.
وتشكل التجارب الناجحة في جماعات سلالية مجاورة دليلاً عملياً على أن الحل ليس مستحيلاً، بل يتطلب إرادة سياسية وإدارية حقيقية، وبرمجة زمنية واضحة، ومقاربة تشاركية تضع ذوي الحقوق في قلب القرار. فحين تتحول أراضي الجموع من موضوع نزاع إلى قاعدة لمشاريع فلاحية كبرى، كما وقع في قصر بني تدجيت وأيت فضولي، يتغير وجه المنطقة بأكملها، من مجال طارد للشباب إلى مجال جاذب للاستثمار، وهو ما تطمح إليه ساكنة أيت يعقوب منذ سنوات دون أن تجد طريقاً إلى التنفيذ.

المستفيد المعلوم المجهول

أمام هذا التعقيد، يفرض نفسه سؤال جوهري على ألسنة أبناء الجماعة السلالية أيت يعقوب: لفائدة من يتم التماطل في حل هذا الملف؟ فاستمرار الغموض حول الوضعية القانونية للأرض، وتباطؤ مساطر التحديد والتقسيم، وتصاعد الترامي من جهات مختلفة، كلها عوامل تغذي شعوراً بأن هناك من يستفيد من بقاء الأمور على حالها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
هذا السؤال لا يتوجه فقط إلى الشركة المجهولة التي حاولت تحفيظ 2470 هكتاراً من هذه الأراضي، ولا إلى الفلاحين الصغار الذين توسعوا تدريجياً في استغلال أجزاء منها، بل يتجاوز ذلك إلى من يفترض أن يكونوا حماة للقانون وحراساً لحقوق الجماعة. فحين تتأخر الاستجابة لمراسلات رسمية، وحين لا تُبرمج لقاءات حوار جادة وشفافة مع ذوي الحقوق، يصبح من المشروع التساؤل عمن يتحمل مسؤولية إطالة عمر الأزمة، ومن يربح وقتاً إضافياً على حساب تنمية منطقة بأكملها.
في النهاية، يبقى ملف أراضي الجماعة السلالية أيت يعقوب امتحاناً حقيقياً لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الخطاب حول “الجيل الجديد من برامج التنمية” إلى إجراءات ملموسة على الأرض، تُنصف ذوي الحقوق وتفتح أمام شباب المنطقة أفقاً جديداً لحياة كريمة. وبين خيار الحسم العادل وخيار الإبقاء على الوضع كما هو، تقف اليوم مصائر 1500 من ذوي الحقوق، وأجيال من الشباب، معلقة على قرار يمكن أن ينقل أيت يعقوب من فضاء الصراع الصامت إلى فضاء الاستثمار المنتج والمستقبل المشترك.

مبادرة نوعية

أُعلن خلال الآونة الأخيرة عن إيداع المشروع الوطني المجتمعي لمأسسة التدبير التشاركي للأراضي السلالية لدى رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية وولاية جهة الرباط سلا القنيطرة وعمالة سلا ومجلس الجهة، بعد مسار من العمل الميداني امتد لأكثر من خمس سنوات في تتبع أوضاع الجماعات السلالية عبر مختلف ربوع المملكة. ويأتي هذا المشروع استجابة للتوجيهات الملكية الداعية إلى جعل العقار السلالي رافعة للتنمية، وتعزيز موقع الطبقة الوسطى القروية في هذا التحول، تحت شعار: “من قوة الاقتراح الفردي إلى قوة الرافعة المؤسساتية”.
ويطرح المشروع خارطة طريق عملية لتجاوز حالة التوتر والاختلال التي تعرفها بعض الجماعات، من خلال مأسسة “القرار السلالي” واعتماد قاعدة الأغلبية الديمقراطية (50+1) في كل ما يتعلق بقرارات التفويت والكراء والتجديد، عوض الانفراد بالقرار من طرف النواب. كما يتضمن ميثاقاً أخلاقياً صارماً يجرّم السمسرة وكل الممارسات المشبوهة المرتبطة بتدبير الرصيد العقاري، ويشدد على أولوية استفادة ذوي الحقوق من السكن والاستغلال فوق أراضي أجدادهم قبل اللجوء إلى الكراء للغير، مع توسيع مفهوم العضوية ليشمل الارتباط الفعلي بالأرض والمساهمة في حمايتها والدفاع عنها.
ويؤكد صاحب المبادرة الأستاذ بوخني عبد الحكيم أن هذا المشروع يضع المؤسسات المعنية أمام مسؤوليتها في تبني حل جذري يوازن بين حماية حقوق الدولة في الاستثمار وتأمين المجال، وضمان كرامة السلاليات والسلاليين وحقهم في الانتفاع المنصف من أراضيهم. كما يدعو جميع المعنيين إلى الالتفاف حول هذا التصور، والاستعداد للانخراط في المراحل المقبلة لتنزيله، في أفق ترسيخ تدبير شفاف وعادل للأراضي السلالية يقوم على الشراكة في التنمية لا على منطق الوصاية.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.