حاتم العناية
على الطريق المؤدي إلى جماعة مولاي بوسلهام، بإقليم القنيطرة، لا يحتاج الزائر إلى كثير من العناء ليدرك أنه دخل منطقة تعيش على إيقاع الفلاحة. عربات محملة بصناديق الفراولة والتوت، وحقول ممتدة على مد البصر، ونساء ورجال يسابقون ضوء الصباح في مواسم الجني. في قلب هذا المشهد، يبرز اسم “تعاونية سلالية الدلالحة القرية للفواكه الحمراء” كعنوان لتجربة فلاحية جماعية تحولت إلى قصة نجاح في العالم القروي.
تأسست التعاونية في دوار الدلالحة من طرف مجموعة من الشباب السلاليين الذين قرروا، بدل ترك أراضيهم بوراً أو تفويتها، أن يوحدوا جهودهم وينظموا استغلالها بشكل جماعي لإنتاج الفواكه الحمراء ذات القيمة المضافة العالية. هكذا انتقلت الأرض من وضعية الانتظار والضياع إلى مشروع اقتصادي منظم، يعتمد على رؤية واضحة: استثمار الموارد السلالية لصالح أبناء المنطقة أنفسهم، عبر إطار تعاوني قانوني ومهيكل.
داخل الحقول المنظمة ، تبدو آثار التحول واضحة؛ قنوات سقي عصرية، تجهيزات حديثة، وبرامج زراعية مضبوطة تراعي متطلبات الجودة والأسواق الوطنية والدولية. فالمجهود الذاتي لأعضاء التعاونية، كما يؤكد مسيروها، كان نقطة الانطلاق نحو تأهيل طرق الزراعة وعصرنة أساليب الإنتاج، ثم التفكير في سلاسل التوزيع وكيفية الوصول إلى زبناء جدد، عوض الاكتفاء بالبيع التقليدي للوسطاء.
هذا التحول لم يبق حبيس الأرقام والجداول، بل انعكس مباشرة على الحياة اليومية للساكنة. فقد وفرت التعاونية فرص شغل قارة على مدار السنة، وأخرى موسمية في فترات الذروة، استفاد منها بشكل خاص الشباب والنساء بالدوار والنواحي. كثير من الأسر باتت تعتمد على دخل مستقر نسبياً، وارتفعت القدرة على مواجهة تكاليف المعيشة، كما بدأت بعض العائلات تستثمر في تمدرس أبنائها وتحسين ظروف سكنها بفضل مداخيل العمل في ضيعات الفواكه الحمراء.

في عمق هذه التجربة، تحضر مبادئ الحكامة الجيدة كركيزة أساسية. فالتعاونية، التي تقوم على تنظيم حقوق ذوي الأراضي السلالية وتمكينهم من استغلالها قانونياً، تحرص على إشراك أعضائها في اتخاذ القرار، وعلى توفير التكوينات الضرورية لهم في تقنيات الزراعة وأساليب التسويق والتدبير. بذلك لا تتحول الأرض فقط إلى مصدر رزق، بل إلى فضاء للتعلم وتبادل الخبرات، وإلى مدرسة صغيرة في العمل الجماعي والتسيير التشاركي.
ويؤكد القائمون على التعاونية أن المشروع يتجاوز منطق الربح السريع والنتائج الآنية. فلسفتهم، كما يعبرون عنها، تقوم على بناء نموذج قروي جديد، عنوانه العدالة المجالية والمساواة في الاستفادة من الثروات، والانخراط في مسار للتنمية المستدامة يحفظ حقوق الأجيال الحالية والمقبلة. لذلك، فإن نجاح “الدلالحة القرية” لا يُقاس فقط بحجم الإنتاج أو رقم المعاملات، بل بقدر ما تخلقه من أمل في نفوس شباب يفضلون اليوم البقاء في قريتهم بدل الهجرة نحو المجهول.
تجربة هذه التعاونية لا تنفصل عن الدينامية الوطنية التي يعرفها قطاع التعاونيات الفلاحية في المغرب، باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ورافعة حقيقية للتنمية القروية. خلال العقد الأخير، تزايد عدد التعاونيات بشكل ملحوظ، خاصة بعد صدور القانون 112.12 المتعلق بالتعاونيات، الذي ساهم في تبسيط إجراءات التأسيس، وفتح الباب أمام الشباب والنساء للانخراط في مشاريع جماعية منظمة. وحسب معطيات مكتب تنمية التعاون، تجاوز عدد التعاونيات 40 ألف تعاونية إلى حدود سنة 2025، حصة مهمة منها تشتغل في القطاع الفلاحي.
هذه الطفرة العددية رافقها تنوع كبير في مجالات الاشتغال؛ من إنتاج وتسويق زيت الزيتون والحبوب والفواكه الحمراء، إلى تربية النحل والأعشاب الطبية والعطرية والصناعات الغذائية التقليدية. هذا التنوع مكّن آلاف الفلاحين الصغار من تحسين مداخيلهم، ومنح المرأة القروية فرصاً أكبر للتمكين الاقتصادي عبر الانخراط في سلاسل إنتاج وتسويق لم تكن في متناولها من قبل. وفي هذا السياق، تندرج تجربة “الدلالحة القرية” كحلقة ضمن سلسلة مبادرات تعيد رسم صورة العالم القروي بشكل تدريجي.
ومع ذلك، لا تخفي التجربة التعاونية بالمغرب ما يواجهه هذا النموذج من تحديات. فضعف التأطير التقني في بعض المناطق، وصعوبة الولوج إلى التمويل، ومحدودية قنوات التسويق، وغياب حكامة ناجعة داخل بعض التعاونيات، كلها عوامل يمكن أن تعرقل استمرارية هذه الدينامية. هنا تبرز الحاجة إلى مواكبة حقيقية، تقنية ومؤسساتية، من طرف الدولة والقطاع الخاص والفاعلين الترابيين، حتى لا تبقى النجاحات مجرد حالات معزولة.
في نهاية الجولة بين حقول “الدلالحة القرية”، تبدو الصورة أوضح: لسنا أمام ضيعة فلاحية عادية، بل أمام تجربة جماعية لرجال ونساء قرروا أن يكتبوا فصلهم الخاص في قصة التنمية القروية بالمغرب. تعاونية سلالية تحوّلت إلى عنوان لروح المبادرة والاعتماد على الذات، ورسالة مفادها أن العالم القروي، حين تتوفر له الآليات والفرص، قادر على أن يكون فاعلاً أساسياً في التنمية المجالية والوطنية، لا مجرد متلقٍّ لنتائجها.
