انتخابات 2026 تحت الاختبار.. هل تنجح القوانين الجديدة في إنعاش الثقة السياسية؟

في خطوة تعكس حساسية المرحلة ورهانات استحقاقات 2026، قدم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام البرلمان ثلاثة مشاريع قوانين انتخابية، اثنان منها قوانين تنظيمية وثالث قانون عادي. في محاولة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة الانتخابية وتجديد جزء من هندستها القانونية. ولا تقف هذه النصوص عند حدود التعديلات التقنية المتفرقة. بل تمتد إلى بنية المنظومة الانتخابية في بعدها السياسي والدستوري. بما يحيل على إرادة في مراجعة شروط التنافس وإرسال رسائل طمأنة بخصوص نزاهة وصدقية المسار الانتخابي المقبل.

أول هذه النصوص يتعلق بمشروع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، الذي شمل تعديل 26 مادة، أي ما يوازي 36 في المائة من مجموع مواده البالغة 72 مادة موزعة على سبعة أبواب. ورغم أن الباب الأول لم يطرأ عليه أي تغيير، كما لم تُراجع العقوبات، فإن جوهر التعديلات يتركز حول تأسيس الأحزاب. ومالية التنظيمات السياسية، والدعم العمومي الموجه خاصة للشباب، ومراقبة مصادر التمويل، ومساطر الحل. ويُفهم من ذلك أن الدولة تراهن على إعادة ضبط شروط الدخول إلى الحقل الحزبي، وعلى تقوية شفافية التمويل دون المساس في هذه المرحلة بمنظومة الزجر، في أفق جعل الحياة الحزبية أكثر انتظاماً ووضوحاً.

أما مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، فيتحمل القسط الأهم من ثقل الإصلاحات. إذ يضم 100 مادة موزعة على 12 باباً، خضعت 52 منها للتعديل، أي بنسبة 52 في المائة. وتشمل هذه المراجعة إضافة مادتين جديدتين (73 و88)، وتعديل فقرات من مواد مفصلية (69، 49، 48، 52)، مع إعادة صياغة 28 مادة من أصل 32 مادة تؤطر العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية. ويعكس هذا الاختيار توجهاً واضحاً نحو تشديد المراقبة والزجر في مواجهة الفساد الانتخابي، وتنقية مسار الاقتراع من الممارسات غير المشروعة، في محاولة لإعادة الاعتبار لصدقية النتائج وثقة المواطنين في صناديق التصويت.

ويتكامل مع ذلك مشروع القانون العادي المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 11-51 الخاص باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء، الذي يركز على الجانب الإجرائي والتقني للعملية الانتخابية. فالتعديلات، التي تمس حوالي 20 مادة، تستهدف تحسين المساطر المرتبطة بتحيين اللوائح وتدقيقها. بما يضمن أقرب ما يمكن من مطابقة بين اللوائح والهيئة الناخبة الفعلية. ومن شأن لوائح أكثر دقة وتحييناً أن تقلص هوامش الطعن والتلاعب، وتمنح العملية الانتخابية سنداً تقنياً أقوى في مواجهة التشكيك.

غير أن القراءة القانونية البحتة لهذه التعديلات لا تنفصل عن سياقها السياسي والدستوري. إذ ينظر إلى انتخابات 2026 كأول جواب مؤسساتي على مرحلة ما بعد 31 أكتوبر. بما تحمله من تحولات مرتبطة بالقرار الأممي حول الصحراء المغربية وبتموقع المغرب إقليمياً ودولياً. في هذا الأفق. تبدو هذه الاستحقاقات بمثابة رسالة تثبيت لجدية الدولة في مواكبة الرهانات الجديدة بمنظومة مؤسساتية محدثة، تؤكد استمرارية الخيار الديمقراطي في ظل متغيرات استراتيجية كبرى.

في المقابل، تشتغل هذه القوانين على خلفية هاجس واضح يتعلق باحتمال ارتفاع منسوب العزوف الانتخابي. وهو مؤشر سيكون ثقيلاً في كلفته الوطنية والدولية إذا ما تحقق. لذلك يجري الحديث عن ضرورة إعادة النظر في المنظومة الانتخابية ليس فقط من زاوية العقوبات والزجر. بل أيضاً من زاوية جعل الانتخابات أكثر جاذبية وتحويلها من “ملف في قاعة الإنعاش” إلى موعد سياسي يثير اهتمام المواطنين. عبر تعزيز تنافسية العرض الحزبي وتحسين شروط المشاركة والانخراط الشعبي.

وتتقاطع هذه الاعتبارات مع قناعة لدى وزارة الداخلية. وربما دوائر أوسع. بأن الثقة في المؤسسات مهددة بفعل بعض مظاهر الفساد السياسي، سواء في تمويل الأحزاب أو في شراء الأصوات أو استغلال الثغرات القانونية. وهو ما يفسر الميل نحو تشديد العقوبات المرتبطة بالجرائم الانتخابية. في رسالة مفادها أن زمن التساهل مع “سوق انتخابية مغشوشة” يشارف على نهايته. وأن المطلوب هو استعادة المعنى الحقيقي لصناديق الاقتراع كآلية تعاقد ديمقراطي لا كأداة لتكريس نفوذ المال غير المشروع.

كما لا يمكن فصل هذه النصوص عن التحولات الجيلية والديناميات الاجتماعية الجديدة. التي أفرزت حركات وفاعلين شباباً من خارج القوالب التقليدية. من بينها حركة “زيد” التي طرحت أسئلة حادة حول تمثيلية المؤسسات وجدوى المشاركة بالشكل المعهود. ومن ثم تبدو القوانين الانتخابية الجديدة محاولة للإجابة. ولو جزئياً. عن هذه الأسئلة. سواء عبر تشجيع حضور الشباب داخل الأحزاب. أو عبر إصلاح قواعد تدبير الانتخابات بما قد يسهم في استرجاع جزء من المصداقية. غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً. في النهاية. هو ما إذا كانت هذه الهندسة القانونية كافية لتصحيح أعطاب الممارسة السياسية. أم أن الأمر يتطلب أيضاً تجديداً في سلوك الفاعلين وعروضهم وبرامجهم. أمام رأي عام بات يراقب التفاصيل بعين نقدية حادة.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.