الملخصات الذكية… بين تسهيل الوصول إلى المعلومة وتهديد بقاء الصحافة المستقلة

 

تشهد صناعة الإعلام العالمية تحولا جذريا بفعل انتشار الملخصات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. التي باتت تغيّر جذرياً طريقة تفاعل المستخدمين مع الأخبار. فوفق دراسة حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث في ربيع 2025، أصبحت مواقع مثل ويكيبيديا ويوتيوب وريديت من أكثر المصادر استشهاداً في هذه الملخصات، حيث شكّلت 15% من مجموع المصادر. مقابل 17% في نتائج البحث التقليدية. وأوضحت الدراسة أن المواقع الحكومية حازت حضوراً أكبر في الملخصات بنسبة 6% مقارنة بـ2% في نتائج البحث. في حين حافظت المواقع الإخبارية على نسبة متقاربة تبلغ 5%.

ورغم أن الملخصات الذكية لا تزال تمثل جزءاً محدوداً من عمليات البحث، فإن حضورها آخذ في التوسع، إذ أنتج نحو 18% من إجمالي عمليات البحث في مارس 2025 ملخصاً ذكياً. فيما تضم الغالبية العظمى منها أكثر من ثلاثة مصادر. وتشير البيانات إلى أن عمليات البحث الطويلة أو التي تتضمن أسئلة مباشرة. تولّد احتمالات أعلى للحصول على ملخص ذكي، بنسبة تصل إلى 53% عند تجاوز الاستفسار عشر كلمات. ويبلغ طول الملخص الذكي النموذجي نحو 67 كلمة فقط. ما يجعله وسيلة مختصرة وسريعة، لكنها محدودة العمق في نقل المعلومة.

في المقابل. تظهر بيانات موقع SimilarWeb أن هذا التحول التكنولوجي ينعكس سلباً على الناشرين والمؤسسات الصحفية. إذ شهدت 37 من أصل 50 منصة إخبارية عالمية انخفاضاً في حركة المرور منذ إطلاق الملخصات الذكية من “غوغل”. وأصبحت الظاهرة المعروفة بـ“النقرات الصفرية” تهدد وسائل الإعلام المستقلة.، حيث يحصل المستخدم على المعلومة داخل واجهة البحث دون الحاجة لزيارة المواقع الأصلية. ووفق مديرة موقع “ميل أونلاين” البريطاني. فقد تراجعت معدلات النقر بنسبة تفوق 50%. ما دفع عدداً من المؤسسات الإعلامية إلى تقديم شكاوى قانونية ضد غوغل أمام هيئة المنافسة والأسواق البريطانية بتهمة احتكار المحتوى وتقييد الوصول إلى القراء.

غير أن التأثير لم يكن سلبياً بالكامل.، إذ برزت منصات الذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي كقناة جديدة لتوزيع الأخبار، حيث ارتفعت إحالات الزيارات من أقل من مليون في 2024 إلى 25 مليون زيارة في 2025. مع تركّز الاهتمام على مواضيع الاقتصاد والرياضة والسياسة. وأبرمت مؤسسات كبرى مثل نيو كورب (The Post) اتفاقيات ضخمة بقيمة 250 مليون دولار مع أوبن أي آي لتوفير محتواها لمنصات الذكاء الاصطناعي. ما يعكس محاولة جديدة للتكيف مع المشهد الإعلامي المتحوّل.

ولمواجهة التراجع في الإيرادات. قدّمت غوغل أداة “أوفر وول” (Offerwall) للناشرين لتجريب نماذج جديدة للربح خارج الإعلانات التقليدية. عبر المدفوعات الصغيرة أو الاشتراكات المباشرة في المحتوى. لكن هذه المبادرات لا تزال محدودة أمام تسارع التحول الرقمي. حيث باتت وسائل الإعلام تعاني من تراجع الوظائف وتسريح العاملين في محاولة للتأقلم مع الواقع الجديد.

في نهاية المطاف، يبدو أن الذكاء الاصطناعي أصبح لاعباً رئيسياً في تشكيل مستقبل الصحافة الرقمية. لكنه في الوقت ذاته يفرض معادلة صعبة بين سهولة الوصول إلى المعلومة وحماية الإعلام المستقل من التهميش. وبينما تواصل التكنولوجيا اختصار النصوص وتوليد الأخبار آلياً. يبقى السؤال الجوهري مطروحاً:

هل ستتمكن الصحافة من الحفاظ على جوهرها الإنساني ودورها النقدي في عصر تختزل فيه الحقيقة في سبعين كلمة؟.

أكتب أعلاه واضغط على زر الدخول للبحث. اضغط على زر الخروج لالغاء.