من اتحاد المغرب الكبير .. إلى مبادرة الأطلسي الكبرى
المملكة المغربية تستعيد جذورها الإفريقية بعد فشل الاتحاد المغاربي
تحقيق : محفوظ آيت بنصالح
منذ فجر الاستقلال، حلمت شعوب شمال إفريقيا بتكامل مغاربي يجمعها في فضاء سياسي واقتصادي موحد، إلا أن المشروع الذي وُلد باتفاق مراكش سنة 1989 لم يُكتب له أن يكتمل. ومع تعثر الاتحاد المغاربي وتصلب الخلافات السياسية، اختار المغرب أن يُعيد توجيه بوصلته نحو عمقه الإفريقي، مستعيدًا بذلك جذوره التاريخية وموقعه الطبيعي في القارة. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى أعادت رسم خريطة علاقات المملكة المغربية نحو الجنوب.
المجهود المغربي
منذ ثمانينيات القرن الماضي، كان المغرب في طليعة الداعمين لفكرة اتحاد المغرب الكبير، إذ نظمت الرباط لقاءات ومؤتمرات وزارية واقترحت مشاريع لتوحيد الإجراءات الجمركية وإنشاء منطقة تجارة حرة. وتُوّجت هذه الجهود بتوقيع معاهدة مراكش سنة 1989 التي جمعت المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا في حلم تكاملٍ إقليمي بدا آنذاك واعدًا.
لم يكتف المغرب بالتوقيع، بل سعى لوضع مؤسسات تنفيذية مشتركة، مثل مجلس الرئاسة والمجالس الوزارية القطاعية. غير أن الخلافات السياسية، خاصة بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء المغربية، أدخلت الاتحاد في جمود مزمن. وعلى الرغم من ذلك، ظل المغرب متمسكًا بالمسار المغاربي، محاولًا عبر مبادرات ثنائية مع تونس وموريتانيا الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون.
ومع مرور السنوات، أدركت الرباط أن مشروع “المغرب الكبير” لم يعد سوى شعارٍ جامد على الورق، الأمر ال دفعها إلى البحث عن أفقٍ جديد يليق بإمكاناتها وطموحاتها القارية، فبدأ التفكير الاستراتيجي يتحول تدريجيًا نحو العمق الإفريقي.
إمكانيات لم تُستثمر
يمثل الاتحاد المغاربي، لو تحقق فعليًا، كتلة بشرية تفوق مائة مليون نسمة، غنية بالموارد الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات وثروات زراعية وبحرية ضخمة. ورغم وحدة اللغة والدين والتاريخ، لم تُترجم هذه المقومات إلى تكامل اقتصادي فعلي، إذ بقيت الحدود مغلقة، والمبادلات التجارية ضعيفة، والربط البيني في حدوده الدنيا.
تقرير للبنك الدولي أكد أنه “ما تزال هناك فجوات كبيرة في البنى التحتية العابرة للحدود بين الدول المغاربية”، فيما بقي التنقل البشري محدودًا والتعاون الأكاديمي هشًّا. وحتى مشاريع النقل والطاقة المشتركة، التي كان يُفترض أن تربط الجزائر بالمغرب وتونس، لم ترَ النور بسبب انعدام التنسيق المؤسسي وتضارب الأولويات الوطنية.
بذلك، تحولت هذه الإمكانيات النظرية إلى فرصة مهدورة، وأصبحت المنطقة نموذجًا للعجز عن تحويل التقارب الجغرافي إلى تكامل اقتصادي، وهو ما دفع المغرب إلى مراجعة موقعه ضمن هذا الفضاء المغلق.
كلفة الجمود
غياب التكامل المغاربي ترتبت عنه كلفة اقتصادية باهظة. فحسب صندوق النقد الدولي، لا تتجاوز التجارة البينية بين دول المنطقة 5٪ من إجمالي تجارتها الخارجية، وهي من أدنى النسب في العالم. هذا الضعف حرم المنطقة من مداخيل تقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، وأفقدها جاذبية استثمارية كان يمكن أن تجعلها سوقًا موحدة واعدة.
تقرير مركز الدراسات الإيطالي ISPI أكد أن إنشاء منطقة تجارة حرة مغاربية كان سيرفع المبادلات بنحو 8 إلى 10 مليارات يورو سنويًا، فيما تُشير دراسات البنك الإفريقي إلى أن التكامل كان سيزيد معدلات النمو بـ2 إلى 3 نقاط مئوية سنويًا. غير أن استمرار الانغلاق جعل كل دولة تعمل منفردة، فتتكرر الاستثمارات ذاتها وتُضاعف الكلفة اللوجستية والإدارية.
على المستوى السياسي، فقد الاتحاد المغاربي وزنه ككتلة تفاوضية في المنظمات الدولية، وأضحت كل دولة تفاوض باسمها، مما أضعف القدرة الجماعية للمنطقة على الدفاع عن مصالحها في مواجهة التكتلات الكبرى.

الاتحاد الإفريقي
في يناير 2017، أعلن المغرب عودته الرسمية إلى الاتحاد الإفريقي بعد غياب دام 33 عامًا. كانت تلك لحظة مفصلية في مسار السياسة الخارجية المغربية، إذ اختارت الرباط إنهاء مرحلة “الكرسي الفارغ” التي بدأت سنة 1984 إثر انسحابها من منظمة الوحدة الإفريقية احتجاجًا على قبول عضوية الكيان الانفصالي المتمثل في جبهة البوليساريو.
العودة لم تكن رمزية فحسب، بل مثّلت تجسيدًا لتحول استراتيجي نحو الانخراط الكامل في المنظومة الإفريقية. فقد سبقتها حملة دبلوماسية واسعة قادها الملك محمد السادس، شملت أكثر من 30 زيارة رسمية إلى دول إفريقية وتوقيع قرابة ألف اتفاقية تعاون في مجالات الزراعة، الطاقة، التمويل، والتعليم.
بذلك، أعاد المغرب تموقعه كفاعل قاري مؤثر، واستعاد حقه في المشاركة في صياغة السياسات الإفريقية، مؤكّدًا أن مستقبله الاقتصادي والسياسي لن يُبنى في الشمال فحسب، بل أيضًا في الجنوب حيث تمتد جذوره التاريخية والحضارية.
مبادرة الأطلسي
ضمن هذا التوجه، أطلق الملك محمد السادس في خطاب المسيرة الخضراء (6 نونبر 2023) “مبادرة الأطلسي”، التي تهدف إلى تمكين دول الساحل الإفريقي الحبيسة مثل مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية. المبادرة تُترجم رؤية تنموية تضامنية تقوم على مبدأ “الربح المشترك” وتكامل المصالح الإقليمية.
تسعى هذه المبادرة إلى بناء ممر لوجستي وتجاري يربط عمق القارة بالمحيط العالمي، مع تطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات بين المغرب وهذه الدول. كما تُعد جزءًا من استراتيجية أوسع لربط القارة الإفريقية بسلاسل الإمداد العالمية وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي الإقليمي.
وقد أجمع عدد من محللين أن “مبادرة الأطلسي” ليست مجرد مشروع لوجستي، بل هي إعلان عن ميلاد محور إفريقي جديد تُديره الرباط برؤية تشاركية، تُعيد رسم الخريطة الجيو-اقتصادية لغرب القارة.
الحضور الاقتصادي
في غضون عقدين، أصبح المغرب أحد أبرز المستثمرين في القارة الإفريقية. فقد توسعت البنوك المغربية مثل “التجاري وفا بنك” و“البنك الشعبي” لتشمل أكثر من 25 دولة إفريقية، كما استثمرت شركات الاتصالات المغربية في أسواق كبرى كساحل العاج ومالي والسنغال.
حجم المبادلات التجارية بين المغرب وإفريقيا تجاوز 3 مليارات دولار سنة 2024 مقابل أقل من 500 مليون في مطلع الألفية. وتشمل هذه المبادلات قطاعات الفلاحة، الطاقة، البناء، والخدمات المالية. كما يحتل المغرب المرتبة الثانية بعد جنوب إفريقيا في الاستثمارات المباشرة داخل القارة.
من جهة أخرى، جعلت الرباط من “الدار البيضاء المالية” منصة إقليمية للشركات العالمية الراغبة في دخول السوق الإفريقية، مما منحها دور الوسيط بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء. وهكذا، انتقل المغرب من موقع المتفرج على مشاريع القارة إلى فاعل مركزي يصوغها ويمولها.
آفاق الأطلسي
تُظهر الدراسات أن نجاح “مبادرة الأطلسي” يمكن أن يُعيد تشكيل موازين التنمية في غرب ووسط إفريقيا. فميناء الداخلة الأطلسي، الذي يجري بناؤه باستثمار يفوق 1.3 مليار دولار، سيكون القلب النابض للمشروع، إذ سيوفّر منفذًا بحريًا حديثًا للشحن والتصدير نحو أوروبا والأمريكتين.
إلى جانب الميناء، تخطط المبادرة لإنشاء ممرات برية وسككية تربط الداخلة بموريتانيا ومنها إلى مالي والنيجر. كما يُنتظر أن تُرافقها مشاريع للطاقة المتجددة، وخطوط ربط كهربائي وغازي، ما يجعلها شبكة تكامل اقتصادي متكاملة الأبعاد.
غير أن نجاحها يتطلب تمويلًا دوليًا مستدامًا وتنسيقًا مؤسسيًا متينًا بين الدول المشاركة، إضافة إلى استقرار سياسي وأمني في الساحل. ويؤكد الخبراء أن التطبيق التدريجي للمشروع، عبر شراكات ثنائية قبل توسيعها إقليميًا، هو السبيل الأمثل لتفادي العوائق البيروقراطية والمالية.

المغرب الجديد
بفضل هذا التوجه، أضحى المغرب اليوم أحد الأعمدة الاقتصادية في غرب إفريقيا، يلعب دور الوسيط بين الأسواق الإفريقية والمحيط العالمي. فمشاريعه اللوجستية والطاقة جعلت منه مركز عبورٍ رئيسي للبضائع والموارد نحو أوروبا وأمريكا، بينما باتت الداخلة وطنجة المتوسط قطبيْن متكاملين على ضفتي الأطلسي والبحر المتوسط.
كما أن انخراط المغرب في “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية” عزّز موقعه كمحور للتبادل القاري، وفتح أمامه فرصًا جديدة في مجالات التصنيع والتمويل والنقل الجوي والرقمي. وفي الوقت نفسه، باتت الرباط شريكًا موثوقًا للدول الغربية في ملفات التنمية والأمن والهجرة.
بهذا، نجح المغرب في الانتقال من فضاء مغاربي محدود الآفاق إلى مجال إفريقي رحب، يجمع بين الدينامية الاقتصادية والانفتاح الجغرافي، ليصبح فعلاً “بوابة الأطلسي نحو إفريقيا”.
حلم الاتحاد
لم يكن فشل الاتحاد المغاربي نهاية الحلم الوحدوي للمغرب، بل بداية لتصحيح مسارٍ استراتيجي نحو عمقه الطبيعي. فالمغرب الذي حاول لعقود بناء تكاملٍ شمالي اصطدم بالجمود السياسي، قرر أن يستعيد زمام المبادرة جنوبًا، حيث تتلاقى التنمية بالفرص.
“مبادرة الأطلسي” تُختزل فيها روح هذا التحول: مشروع يربط القارة ببنيتها التحتية، ويمنح دول الساحل المنفذ الذي طالما افتقدته، ويعيد تموقع المغرب كفاعل قاري يوازن بين الجغرافيا والتاريخ، بين الانتماء المغاربي والهوية الإفريقية.
وفي النهاية، يُمكن القول إن المغرب لم يفقد حلم الاتحاد، بل أعاد تعريفه في نطاقٍ أوسع وأرحب اتحاد قاري جديد يمتد من الأطلسي إلى أعماق إفريقيا.
