مع ارتفاع حرارة الصيف، ارتفعت معها أسعار كل شيء تقريبًا في عدد من المدن المغربية. من طنجة إلى أكادير، ومن الفنيدق إلى مرتيل، أصبح التنقل، الإقامة، وتناول وجبة بسيطة عبئًا يثقل كاهل المواطن. خلال شهر يوليوز 2025، عادت ظاهرة “الغلاء الموسمي” إلى الواجهة، لكن هذه المرة وسط موجة واسعة من الشكاوى، وانتقادات حادة على منصات التواصل، وضغط متصاعد على الجهات المسؤولة.
الأرقام الرسمية تشير إلى زيادات متفاوتة في أسعار المواد الغذائية والخدمات الفندقية، لكن الواقع الميداني يبدو أكثر تعقيدًا. شهادات الزوار والمقيمين تكشف عن مظاهر فوضى في التسعير، وغياب الرقابة في عدد من الفضاءات السياحية، بل وتعرض البعض للاحتيال الصريح في الإيجار والخدمات. وبينما تحاول السلطات تقديم حلول عبر خطوط شكاوى ومبادرات رقابية، يبقى السؤال الأساسي: لماذا يتكرر هذا المشهد كل صيف؟ ومن يتحمّل مسؤوليته؟
في هذا التحقيق الصحفي نرصد الظاهرة من زوايا متعددة، مستعرضًا معطيات رسمية، شهادات مواطنين، تحليلات خبراء، ودور الجمعيات المدنية، في محاولة لفهم خلفيات هذا الغلاء الصيفي المتكرر، والبحث عن توازن ممكن بين حرية السوق وحقوق المستهلك.
الأسعار والصيف
يتسم موسم الصيف في المغرب بارتفاع ملحوظ في الحركة الاقتصادية، خصوصًا في المدن السياحية والساحلية التي تستقطب آلاف الزوار من داخل البلاد وخارجها. ومع هذا الزخم، يلاحظ المواطنون سنويًا ارتفاعًا في أسعار السلع والخدمات، سواء تعلق الأمر بالأغذية، النقل، أو الإيواء. لكن صيف 2025، وبالخصوص شهر يوليوز، حمل ملامح استثنائية من حيث وتيرة الغلاء وشدة شكاوى المستهلكين.
تتعدد العوامل المؤثرة في ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة، من أبرزها زيادة الطلب، ضعف العرض في بعض القطاعات، وغياب آليات ضبط محكمة في بعض الأسواق. كما ساهمت التغيرات المناخية وتكلفة الإنتاج في دفع الأسعار نحو الارتفاع، خصوصًا في قطاعات حساسة مثل الأسماك والدواجن. هذه العوامل تتكرر سنويًا، لكنها هذا العام تزامنت مع دينامية سياحية قوية بعد فترة ركود نسبي.
النتيجة كانت ضغطًا مباشرًا على القدرة الشرائية للأسر المغربية، التي وجدت نفسها أمام تكاليف يومية مرتفعة، سواء داخل المدن الكبرى أو في الوجهات السياحية المتوسطة. هذا الواقع أفرز موجة من الانتقادات والنقاشات المجتمعية حول ما إذا كانت هذه الزيادات طبيعية ومبررة أم ناتجة عن اختلالات يجب التدخل لتصحيحها.

مؤشرات رسمية
حسب تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك خلال شهر يونيو 2025 ارتفاعًا بنسبة 0.4% مقارنة مع شهر ماي، مع تسجيل زيادات بارزة في أسعار اللحوم (4.0%)، الأسماك (3.9%) والفواكه (3.1%). ورغم أن التقرير لم يغطي بعد بيانات يوليوز، إلا أن التوجه العام ينبئ باستمرار الارتفاع في الشهر الموالي.
المندوبية أدرجت مدنًا مثل العيون، بني ملال، كلميم، وجدة وطنجة، ضمن قائمة المناطق التي عرفت أكبر زيادات في أسعار الاستهلاك. وهو ما يتقاطع مع شهادات ميدانية لمواطنين أشاروا إلى صعوبات كبيرة في اقتناء الأساسيات، سواء في الأسواق اليومية أو داخل المطاعم ومحلات الأكل السريع. بعض المناطق سجلت زيادات فاقت 10% في أثمان بعض المواد الحيوية.
وبالعودة إلى المؤشرات السنوية، فقد شهدت أسعار قطاع المطاعم والفنادق ارتفاعًا بنسبة 3.8%، مقابل تراجع طفيف في تكاليف النقل. إلا أن الأثر الفعلي على المستهلك كان محسوسًا بشكل حاد، بسبب تراكم الزيادات في أكثر من قطاع بشكل متزامن، ما جعل مصاريف الأسر ترتفع بشكل غير مسبوق خلال فترة وجيزة.
المدن السياحية
أجمعت شهادات عدد من المستهلكين ووزوار مدن كطنجة وتطوان ومرتيل عرفت خلال شهر يوليوز ارتفاعات ملحوظة في أسعار الإيواء والخدمات، حيث تجاوزت كلفة المبيت في بعض الشقق 800 درهم لليلة الواحدة، في حين قفزت أثمان وجبات بسيطة في المطاعم إلى مستويات غير معتادة. هذا الوضع خلق حالة من الاستياء لدى الأسر المغربية التي اعتادت قضاء عطلتها السنوية في هذه المناطق.
في مدينة الفنيدق، رُصدت حالات لغياب لوائح أسعار داخل المطاعم، ورفض بعض مقدمي الخدمات الكشف عن الأثمنة إلا بعد استهلاك الزبون. وتم تداول صور لفواتير تُظهر مبالغ تجاوزت 300 درهم لوجبة مكونة من أطباق بسيطة لعائلة صغيرة، وهو ما وُصف بأنه “استغلال صيفي” في غياب الرقابة التجارية.
أما في أكادير، فشهدت حالات تسمم غذائي تم الإبلاغ عنها في وسائل الإعلام، إلى جانب شكاوى من تدني جودة الخدمة مقارنة مع الأسعار المرتفعة. واعتبر عدد من المواطنين أن الأسعار تجاوزت قدرة الطبقة المتوسطة، ما يدفع الكثيرين إلى تقليص مدة العطلة أو إلغائها بالكامل.

ممارسات غريبة
أحد المظاهر الأكثر إثارة للقلق خلال يوليوز 2025 تمثلت في انتشار ظاهرة “الوسطاء غير النظاميين”، خصوصًا في كراء الشقق المفروشة. عديد من المواطنين صرحوا بتعرضهم للاحتيال عبر منصات إلكترونية أو وسطاء ميدانيين، حيث يدفع المستهلك مبالغ مسبقة لشقة يتضح لاحقًا أنها غير متاحة أو لا تطابق المواصفات المعلنة.
ورُصدت حالات مماثلة في شواطئ مرتيل والمضيق، حيث يستولي بعض الأشخاص على مساحات واسعة من الشاطئ ويقومون بتأجير المظلات والكراسي بأسعار محددة مسبقًا، دون رخص أو رقابة. وقد اشتكى الزوار من غياب الحرية في اختيار مكان الجلوس على الشاطئ، في تناقض مع ما تضمنه القوانين المحلية.
هذه الممارسات تنعكس على سمعة السياحة الوطنية وتُضعف ثقة الزائر المحلي، خصوصًا أن الآليات القانونية القائمة تبدو غير كافية لردع هذه التجاوزات. كما أن اعتماد بعض المؤسسات على العرض غير الرسمي يُصعّب من عملية التنظيم والتتبع، مما يفتح الباب لمزيد من الفوضى كل موسم صيفي.

دور الرقابة
أمام تصاعد الشكاوى، أعلنت وزارة الداخلية في نهاية يوليوز 2025 عن تفعيل الرقم الوطني 5757 لتلقي تبليغات المواطنين حول غلاء الأسعار أو تجاوزات في جودة الخدمات. المبادرة لقيت تفاعلًا كبيرًا على مستوى الإعلام، واعتُبرت خطوة إيجابية من حيث النية، لكن فاعليتها العملية لم تتضح بعد.
لم تُنشر أي إحصائيات رسمية حول عدد الشكاوى الواردة عبر هذا الرقم أو طريقة معالجتها، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى المطالبة بمزيد من الشفافية والتواصل مع الرأي العام. المواطنون يريدون أن يروا نتائج ملموسة على الأرض، لا مجرد أدوات تواصل رمزية.
الرقابة الميدانية من طرف السلطات المحلية تظل ضرورية، خصوصًا في الأسواق الكبرى والمناطق السياحية، حيث ترتفع معدلات التلاعب بالأسعار. وقد دعت بعض المجالس الجماعية إلى تنظيم حملات تفتيش صيفية موسعة، تُشرك فيها لجان مختلطة وتُفعّل فيها العقوبات المنصوص عليها قانونًا.
حماية المستهلك
عبّرت عدة جمعيات حماية المستهلك، مثل الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، عن قلقها من تكرار ظاهرة الغلاء الموسمي بشكل سنوي دون تدخلات جذرية. وأكدت هذه الجمعيات أن بعض الأنشطة الموسمية باتت تتحول إلى فرصة للبعض للربح غير المشروع، في غياب المساءلة والمراقبة.
وقد تلقت هذه الجمعيات خلال يوليوز عددًا كبيرًا من التبليغات، تتعلق بتجاوزات في الأسعار، غش تجاري، وغياب الفوترة. كما دعت إلى ضرورة تعميم لوائح الأسعار على الواجهات، وتسهيل مسطرة التبليغ على المواطنين، سواء إلكترونيًا أو عبر تطبيقات ذكية.
الجمعيات طالبت أيضًا بإدماج هذه القضايا ضمن الأولويات الحكومية عند إعداد موسم الصيف، مع إشراك الفاعلين المحليين والسلطات الأمنية لضمان موازنة بين المصالح الاقتصادية للمزودين وحقوق المستهلكين، بما يحافظ على جاذبية العطلة الصيفية.

الجودة والسعر
يشدد مختصون اقتصاديون على أن ارتفاع الأسعار ليس ظاهرة منعزلة، بل يعكس خللًا في التوازن بين العرض والطلب، وبين جودة الخدمة وسعرها. ففي غياب آليات تقييم شفافة وملزمة، تتحول الأسواق السياحية إلى مجال مفتوح للمضاربة والاستغلال، خصوصًا عندما يرتفع الطلب فجأة.
من جانب آخر، يشير البعض إلى أن الحلول لا تكمن فقط في الرقابة، بل في تشجيع المنافسة المشروعة، ورفع جودة العرض، وتوسيع الخيارات أمام المستهلك. ذلك يتطلب تنسيقًا بين المهنيين، الجماعات المحلية، والإدارات المعنية، لتفادي الارتجالية الموسمية.
المطلوب اليوم، وفقًا للخبراء، هو التفكير في نموذج سياحي أكثر إنصافًا واستدامة، يُمكّن الفاعلين من تحقيق ربح مشروع، ويضمن للمستهلك خدمات مناسبة بأسعار شفافة. هذا التوازن هو ما سيحافظ على الثقة ويُنعش الاقتصاد المحلي دون أن يُرهق الأسر المغربية.