يشكل الولاة والعمال أحد الركائز الأساسية في تنظيم الدولة الترابي، بحكم موقعهم كـمُمثلين للسلطة المركزية في الجهات والعمالات والأقاليم. وقد منحهم دستور 2011 أدوارًا محددة في إطار التحول نحو الجهوية المتقدمة، التي يفترض أن تقوم على اللاتركيز الإداري والتدبير الحر للجماعات الترابية. غير أن واقع الممارسة يكشف عن استمرار اختلالات بنيوية، ترتبط بالتداخل بين سلطة الدولة والصلاحيات المحلية، وبالغياب النسبي للتناغم بين المركز والجهات.
اختصاصات الولاة والعمال في ضوء الدستور
ينص الفصل 145 من دستور 2011 على أن الولاة والعمال “يمثلون السلطة المركزية على مستوى الجهات والعمالات والأقاليم، ويسهرون على تطبيق القانون، وتنفيذ السياسات العمومية، ومراقبة أعمال المجالس، وتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية”. هذا الإطار يمنحهم موقعًا مركزيًا في تدبير الشأن الترابي، خاصة على مستوى تتبع تنفيذ البرامج الحكومية، وضمان احترام القانون، والسهر على الأمن والاستقرار.
لكن هذه الوظائف ذات الطابع التنفيذي والرقابي كثيرًا ما تُترجم على أرض الواقع إلى وصاية فعلية على المجالس المنتخبة، وهو ما يتنافى مع مبدأ “التدبير الحر” الذي يُفترض أن يُخوّل للجماعات الترابية استقلالية في اتخاذ القرار وتدبير الموارد.
بين السلطة الإدارية والاستقلال المحلي
تكشف الممارسة اليومية عن توازن مختل بين طرفين: من جهة، مجالس منتخبة تتمتع باختصاصات دستورية وقانونية، لكنها تعاني من ضعف في الإمكانيات والموارد والكفاءات، ومن جهة أخرى، سلطة إدارية تمثل الدولة المركزية وتمتلك وسائل أقوى وتأثيرًا أكبر في القرار الترابي. هذا التباين يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضبابية في المسؤوليات، ويجعل من الصعب تقييم السياسات العمومية أو محاسبة المتدخلين بشكل شفاف.
كما أن العلاقة بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة لا تخلو من توتر مكتوم، بسبب غياب حدود واضحة بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة، وضعف التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية بالتنمية الترابية.
إشكالية التنسيق واللاتركيز
من بين الاختصاصات الرئيسية الموكولة للولاة والعمال أيضًا، تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة. غير أن هذا التنسيق يظل في الغالب شكليًا أو غير فعال، بسبب غياب تصور واضح وملزم حول اللاتركيز الإداري. فالكثير من المصالح الجهوية لا تزال ترتبط بشكل مباشر بإداراتها المركزية، مما يُضعف من قدرة الولاة والعمال على ضبط الإيقاع التنموي وتجاوز تشتت المبادرات.
ويترتب عن هذا الوضع بطء في تنفيذ البرامج، وتضارب في التدخلات، وغياب للتكامل بين المشاريع، مما ينعكس سلبًا على فعالية السياسات العمومية الموجهة للمجال.
التحدي التنموي والعدالة المجالية
في ظل هذا السياق، يجد الولاة والعمال أنفسهم في قلب التحدي التنموي، باعتبارهم مسؤولين عن تتبع تنفيذ البرامج الكبرى ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي. وتبرز هنا أهمية دورهم في الإشراف على المبادرات الملكية، وفي مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إضافة إلى مساهمتهم في تنزيل سياسات عمومية حساسة مثل برامج الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والمشاريع المدرة للدخل.
لكن فعالية هذا الدور تظل مرهونة بمدى قدرتهم على ضمان الشفافية في تدبير الصناديق العمومية، وخلق شراكات حقيقية مع الجماعات الترابية والمجتمع المدني، بعيدًا عن منطق التوجيه من الأعلى أو الاستفراد بالقرار.
نحو تأهيل جديد للإدارة الترابية
إن التقدم في ورش الجهوية المتقدمة يتطلب إعادة التفكير في أدوار الفاعلين الترابيين، وفي مقدمتهم الولاة والعمال. فالتحول المطلوب ليس فقط قانونيًا أو إداريًا، بل هو أيضًا ثقافي ومؤسساتي، يرمي إلى إقرار نموذج جديد من الحكامة الترابية، قائم على الشراكة والتكامل، لا على التراتبية والصراع.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون تأهيل حقيقي للإدارة الترابية، وتوضيح الاختصاصات، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقوية قدرات الفاعلين المحليين، وضمان مشاركة فعلية للمواطنين والمجتمع المدني في صياغة السياسات وتقييمها.
على سبيل الاستنتاج
رغم ما أتى به دستور 2011 من مبادئ متقدمة، فإن تنزيل الجهوية على أرض الواقع ما زال يواجه تحديات كثيرة، أبرزها غلبة سلطة الدولة ممثلة في الولاة والعمال، على حساب استقلالية الجماعات الترابية. وإذا كانت الدولة قد اختارت خيار الديمقراطية الترابية، فعليها أن تمضي فيه إلى نهايته، عبر تحرير الجماعات من الوصاية، وبناء إدارة ترابية فعالة، شفافة، ومسؤولة، ودعمها بالأطر وتشجيع النخب المحلية على الانخراط في تدبير الشأن المحلي وإبعاد الأميين من التدبير الترابي عن طريق الرفع من الشروط العلمية والأكاديمية والمهنية في التقدم للانتخابات.